من أجمل ما يمكنك أن تمنحه لطفلك، وهو ينشأ في أستراليا، مساعدته على بناء صلة حقيقية مع ثقافة حيّة تُعدّ الأقدم في العالم. فرغم أن الخطوة الأولى قد تبدو مربكة، إذا كنت حديث العهد بأستراليا ولا تعرف من أين تبدأ. لذلك، نضع بين يديك مجموعة من الأفكار والبدايات العملية التي تفتح لك ولطفلك نافذة على عالم غني، وتساعدكما على اكتشاف تاريخ وثقافات وتجارب شعوب السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، والتعرّف إلى إرثهم العريق بوصفه جزءاً أصيلاً من قصة أستراليا وهويتها.
- كيف أفتح أمام طفلي نافذة على ثقافة السكان الأصليين وتاريخهم؟
- كيف أكتشف الفعاليات التي تحتفي بثقافة السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس؟
- هل توجد مواد تعليمية للأطفال عن السكان الأصليين في أستراليا عبر الإنترنت؟
- كيف نتعرّف إلى ثقافة شعوب السكان الأصليين في رحلة عائلية؟
- ماذا لو قلت أو فعلت شيئاً على نحوٍ خاطئ؟
إن فهم إرث السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، وتقدير ثقافتهم وتجاربهم المعاصرة، يشكّلان ركيزة أساسية في مسيرة المصالحة؛ تلك المسيرة التي تهدف إلى بناء جسور أقوى من التفاهم والاحترام، وتعزيز العلاقات بين شعوب أستراليا الأولى وسائر أفراد المجتمع من غير السكان الأصليين.
ومن هنا، فإن مساعدة طفلك على بناء صلة حقيقية بثقافة حيّة تُعدّ الأقدم في العالم، ليست مجرد فرصة للتعلّم، بل هدية ثمينة تمنحه إياها وأنت تربيه في أستراليا؛ هدية تفتح أمامه باباً لفهم أعمق للمكان الذي يعيش فيه، وللتعرّف إلى قصص شعوبه الأولى وتراثهم الممتد عبر آلاف السنين.
كيف أفتح أمام طفلي نافذة على ثقافة السكان الأصليين وتاريخهم؟
إسما ليفرمور، وهي من نساء شعب بيغامبول، تعمل لدى «ريكونسيلييشن أستراليا» (Reconciliation Australia) ، الهيئة الوطنية الرائدة في مسار المصالحة في أستراليا، وترى أن أجمل طرق التعلّم تبدأ من داخل الأسرة، حين يتحول اكتشاف الثقافة والتاريخ إلى تجربة مشتركة بين الآباء والأبناء. وتنصح بأن تكون البداية بسيطة وقريبة من عالم الطفل؛ أنشطة تعليمية، لكنها في الوقت نفسه ممتعة وسهلة الوصول، كأن تجتمع الأسرة لمشاهدة برنامج تلفزيوني يفتح أمام الصغار أبواباً جديدة للمعرفة. وتقول ليفرمور إن شبكة «NITV» التلفزيونية تقدم باقة واسعة من البرامج التي تسرد حكايات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، وتعرّف بثقافاتهم وتاريخهم وتجاربهم في أستراليا المعاصرة.
أما للعائلات التي تفضل منصات البث الرقمي، فتتوفر عبر منصة «SBS On Demand» مجموعة متنوعة من المحتوى الخاص بشعوب الأمم الأولى، يمكن مشاهدتها مجاناً، وتشمل مسلسلات رسوم متحركة للأطفال، وأفلاماً وثائقية وأعمالاً سينمائية. وتشدد ليفرمور على أهمية اختيار ما يناسب عمر الطفل ومرحلة نموه، قائلة إن الهدف هو تقديم محتوى «يحتفي بثقافات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، ويكشف في الوقت نفسه عن التنوع الكبير والغني بين شعوبهم».
فقد لا تحتاج رحلة الطفل نحو فهم تاريخ أستراليا وثقافاتها الأولى إلى بداية كبيرة أو معقدة؛ ربما يكفيها برنامج قصير، أو قصة آسرة، أو حكاية تفتح باب الفضول. ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى، بلطف وبساطة، نحو سؤال جوهري: من هم السكان الأصليون لهذا البلد؟

كيف أكتشف الفعاليات التي تحتفي بثقافة السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس؟
لا تقتصر رحلة التعرّف إلى ثقافات السكان الاصليين لأستراليا على ما نشاهده عبر الشاشات؛ فبإمكان العائلات أيضاً البحث عن فعاليات وأنشطة مناسبة للأطفال، تنظمها مؤسسات ومنظمات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس في مناطقهم المحلية.
ويمكنكم متابعة أجندة الفعاليات التي ينظمها المجلس المحلي في منطقتكم، أو التواصل مع أقرب مجلس أراضي للسكان الأصليين المحليين (Local Aboriginal Land Council) لمعرفة ما يُقام من أنشطة واحتفالات وفعاليات ثقافية بالقرب منكم. وتشير إسما ليفرمور إلى مناسبتين بارزتين تتكرران كل عام، وتوفران فرصاً مميزة للتعرّف إلى ثقافات شعوب أستراليا الأولى: أسبوع NAIDOC، الذي يُقام في الأسبوع الأول من شهر يوليو، والأسبوع الوطني للمصالحة (National Reconciliation Week) ، الذي يمتد من 27 آيار/ مايو إلى 3 حزيران/ يونيو. وتوضح ليفرمور: «في هذه المناسبات، أجد أن كثيراً من القادمين الجدد إلى أستراليا يكتشفون للمرة الأولى رؤى شعوب الأمم الأولى، ويتعرفون إلى فنونهم وأرضهم وشعوبهم وثقافاتهم».
كما تتيح الفعاليات التي تُقام خلال هاتين المناسبتين فرصة مميزة للتعرّف إلى تقليد «الترحيب » (Welcome to Country) ، وفهم الفرق بينه وبين «الاعتراف بالبلد» (Acknowledgment of Country) ؛ وهما ممارستان ثقافيتان تحملان دلالات مهمة في الحياة العامة الأسترالية، وتساعدان على فهم العلاقة العميقة التي تربط شعوب أستراليا الأولى بأراضيها.

هل توجد مواد تعليمية للأطفال عن السكان الأصليين في أستراليا عبر الإنترنت؟
أصبح الوصول إلى الموارد التعليمية عبر الإنترنت أمراً يسيراً، وهي تتيح لطفلك فرصة التعرّف إلى تاريخ شعوب السكان الأصليين وثقافاتهم، ووجهات نظرهم، بطريقة تفاعلية ومناسبة لعمره. إذ توفر منصة SBS Learn مجموعة واسعة من هذه المواد التعليمية، المصممة بما يتوافق مع المنهج الدراسي الأسترالي، بدءاً من المرحلة التأسيسية وصولاً إلى الصف الثاني عشر، ويمكن للعائلات استكشافها مع أطفالها في المنزل.
وتعمل إسما ليفرمور لدى Reconciliation Australia، حيث تتولى منصب مديرة في برنامج Narragunnawali: المصالحة في التعليم. إذ يقدم البرنامج مجموعة من الأدلة والأدوات التعليمية المتاحة عبر الإنترنت، لمساعدة مختلف أفراد المجتمع، من معلمين وطلاب وأولياء أمور، على الانخراط في مسيرة المصالحة بصورة هادفة وفاعلة.
وتتنوع الموضوعات التي يتناولها البرنامج، بدءاً من التعرف إلى العَلَمين اللذين يمثلان شعوب السكان الأصليين لأستراليا، وصولاً إلى إرشادات تساعد على بناء علاقات متينة وذات معنى مع مجتمع السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس المحلي.
وهكذا، يمكن للطفل أن يبدأ من المنزل رحلةً معرفية تتجاوز حدود الكتب المدرسية، ليتعرّف إلى تاريخ أستراليا الأول، وثقافاتها العريقة، وأصوات شعوبها التي تمتد جذورها عميقاً في هذه الأرض.
كيف نتعرّف إلى ثقافة شعوب السكان الأصليين في رحلة عائلية؟
يمكن أن تتحول الرحلة العائلية مع طفلك إلى فرصة جميلة لاكتشاف جانب آخر من أستراليا، والتعرّف معاً إلى ثقافات السكان الأصليين وتاريخهم العريق.
ويمكن الاستعانة بـخريطة أستراليا للسكان الأصليين التي أعدّها المعهد الأسترالي لدراسات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس (AIATSIS)، للتعرّف إلى مجموعات اللغة والمجتمع والشعوب الأصلية المرتبطة بالمنطقة التي تزورونها.
ومن هناك، يمكنكم البحث عن المواقع ذات الأهمية الثقافية والتاريخية التي تستحق الزيارة، والبدء في اكتشاف ثقافة الأوصياء التقليديين على الأرض الذين عاشوا فيها وحافظوا على إرثها جيلاً بعد جيل.
وتقول ليفرمور: «عندما أسافر إلى مكان ما، أبدأ عادةً ببعض البحث عبر الإنترنت لأتعرف إلى المواقع ذات الأهمية فيه، وأكتشف الأنشطة والتجارب المرتبطة بثقافة السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس التي يمكنني خوضها هناك».
وهكذا، لا تعود الرحلة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تصبح فرصة لقراءة الأرض من خلال قصصها، والتعرّف إلى شعوبها الأولى، ورؤية أستراليا بعيون أعمق وأكثر اتصالاً بتاريخها وثقافاتها الأصيلة. "إنها رحلة تتجاوز أسوار المدرسة، وتمتد إلى قلب المجتمعات المحلية"، وفق السيدة ليفرمور.

ماذا لو قلت أو فعلت شيئاً على نحوٍ خاطئ؟
قد يراود كثيراً من غير السكان الأصليين شعورٌ بالقلق من الوقوع في الخطأ عند الاقتراب من ثقافات شعوب الأمم الأولى أو التفاعل مع أفرادها. وترى إسما ليفرمور أن هذا الشعور طبيعي ومفهوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز يمنعنا من خوض تجربة التعلّم. وتوضح : «من الأفضل أن نحاول، حتى وإن أخطأنا، من أن نحجم عن المحاولة تماماً». فالخطأ ليس نهاية الطريق، بل جزء أصيل من رحلة المعرفة والفهم. وإذا نبّهك أحد أفراد شعوب السكان الأصليين، خلال فعالية أو موقف عابر، إلى أمرٍ قلته أو فعلته بصورة غير مناسبة، فالأجدر أن تستقبل ذلك بانفتاح واحترام، وأن تجعل من الموقف فرصة للتعلّم لا سبباً للانكفاء. وتوضح ليفرمور: "حوّلوا الأمر إلى حوار، وتعلّموا معاً. اسأل: أين أخطأت؟ وكيف يمكنك أن تساعدني على فهم الأمر بصورة أفضل؟"
فالتواصل الحقيقي لا يقوم على الخوف من الخطأ، بل على الاستعداد للتعلّم منه. إنها رحلة مستمرة من التعلّم، والتخلّي عن بعض الأفكار الموروثة، ثم إعادة التعلّم؛ رحلة تبدأ بالسؤال، وتنمو بالحوار، وتترسخ بالاحترام. وفي نهاية المطاف، ربما لا يكون الأهم أن نعرف كل شيء منذ البداية، بل أن نملك الشجاعة لنتعلّم، والتواضع لنعترف بما لا نعرفه، والاستعداد لأن نصغي ونفهم.
اشتركوا في بودكاست "أستراليا بالعربي" أو تابعوه للحصول على المزيد من المعلومات والنصائح المفيدة حول الاستقرار وبناء حياة جديدة في أستراليا. إذا كان لديكم أي أسئلة أو أفكار لمواضيع جديدة؟ يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني:
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.





