يواصل المتظاهرون في بغداد حراكهم المطالب بإسقاط الحكومة للشهر الثاني على التوالي، ولا تزال شوارع بيروت تضج بالثائرين على الطبقة السياسية للأسبوع الثالث على الرغم من استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري. وبعيداً عن نقاط الاختلاف والمعطيات التي تحكم تظاهرات بلد دون الآخر، برز دور المرأة اللبنانية والعراقية كلاعبتين أساسيتين في كلا الشارعين في تحدٍ واضح لمفاهيم اجتماعية لطالما حاولت اختزال المرأة وتقزيم دورها في المجتمع.
واعتبر خبير علم الاجتماع والمحاضر في الجامعة اللبنانية الأمريكية البروفسور بول طبر "انتفاضة" المرأة في الشارع اللبناني والعربي عموماً دليلاً على رغبتها بكسر سلطة "الذكر البطريركي" والذي سعى على مدى العقود الماضية إلى إقصاء المرأة من المجال العام وحصرها في دور الزوجة والأم والمربية.
وقال طبر إن خروج النساء من مختلف المراحل العمرية إلى الشارع والمشاركة في التظاهرات بكثافة يؤكد على رغبتهن بكسر الصورة النمطية واستغلال الفرصة للتأكيد على حضورها لتتمكن في نهاية المطاف من الاقتراب خطوة نحو الحصول على حقوقها المشروعة في مختلف الميادين.

وبما أن المرأة اللبنانية دأبت على استكمال تعليمها الجامعي والانخراط في سوق العمل، باتت أكثر عرضة لما يتعرض له باقي أفراد المجتمع من "ظلم" حسبما قال طبر: " لا تعاني المرأة من ندرة فرص العمل والاستغلال وعدم توفر أجور كافية فحسب بل هي أيضاً متأثرة من ضعف الخدمات الحكومية من كهرباء وجمع نفايات وما الى ذلك."
ولكن إلى جانب الملفات التي يركز عليها جل المتظاهرين، كمحاسبة الفاسدين وإحقاق العدل وتوفير الخدمات التعليمية والصحية، لدى المرأة في بغداد وبيروت مطالب تختص بها دوناً عن غيرها كالأجور المساوية للرجال حيث لا تزال الفجوة ظاهرة بشكل فج في معظم الدول العربية. وأضاف طبر إن ملف المطالبة بحق القدرة على منح الجنسية للأبناء عاود الظهور بقوة في تظاهرات الشارع اللبناني.
ومن المظاهر الجديدة لموجة التظاهرات في المدن العربية، عدم اقتصار المتظاهرين على فئة مجتمعية دون غيرها فالشوارع احتضنت إلى جانب المتضررين بشكل مباشر من الأوضاع الاقتصادي المتردية ومعدل البطالة المرتفع، نخب المجتمع من أطباء ومهندسين وفنانين ومشاهير اختاروا التفاعل مع نبض الشارع والانضمام إلى ركب المتظاهرين أملاً في مستقبل أفضل ورفضاً لاستحواذ الطبقة السياسية على مقاليد الحكم غير آبهين بمطالب الشعب.

أخلاقيات التظاهر
مع دخول التظاهرات في لبنان أسبوعها الثالث، بدأ البعض يتململ من حالة الشلل التي أصابت قطاعات عدة فضلاً عن قطع الطرق بشكل متكرر وما نتج عن ذلك من مواجهات وُصفت بالحادة بين عناصر الجيش اللبناني الساعي لفتح الطرقات والمتظاهرين المصرين على إغلاقها في رسالة تحدٍ للطبقة السياسية التي لم تبدأ مشاوراتها بعد لتشكيل الحكومة القادمة.
ووفق تحليل البروفسور طبر فإن دور الجيش وحضوره في الشارع جاء متبايناً ففي بعض المناطق سعى لحماية حق التظاهر وبدا متفهماً للموقف وساعياً لاحتواء المتظاهرين وملتزماً بالدستور الذي يضمن حق التظاهر، وفي مناطق أخرى كان عناصره أكثر "قسوة": " هذا السلوك يدل على ارتهان الجيش اللبناني لإمرة وزارة الدفاع والسلطة القائمة أي أنه يتصرف وفق قراراتها في كثير من المواضع."
وقال طبر إن تحليل سلوك المتظاهرين لا بد أن يركز على قدرتهم على خلق هوية لبنانية جديدة عابر للطوائف والمناطق، وعدم الغوص في ما ورد على ألسنة بعضهم من إساءات وشتائم بحق بعض السياسيين. وأشار طبر إلى تعاون المتظاهرين مع السلطات الطبية وحرصهم على تمرير المركبات التي تحمل الأدوية للمستوصفات والصيدليات.
استمعوا إلى المقابلة مع البروفسور بول طبر في التدوين الصوتي.



