تحذير: قد يجد بعض القرّاء والمستمعين هذا التقرير حسّاسًا أو مؤلمًا.
في أعقاب هجوم بونداي، أعلنت السلطات الأسترالية عن تخصيص تمويل إضافي لخط "شاهد على الحرب" "Witness to War Hotline" وهو خط ساخن يقدّم دعمًا نفسيًا للاجئين الفارّين من الحروب والعنف والاضطهاد اذ أكد القائمون على تشغيل الخدمة في ولاية نيو ساوث ويلز أن هذا التمويل سيسمح بتوسيع نطاق عمل الخط الساخن ليشمل مختلف أنحاء أستراليا، في خطوة تهدف إلى مساعدة اللاجئين على التعامل مع آثار الصدمات النفسية المعقّدة، ومع المحفّزات التي أعادت أحداث بونداي إحياءها لدى كثيرين.
منذ الهجوم يشهد خط «شاهد على الحرب» ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الاتصالات، ما يعكس حجم الأثر النفسي الذي خلّفته الحادثة، ليس فقط على المجتمع المحلي، بل أيضًا على مجتمعات لاجئة تحمل أصلًا ندوب الحروب والنزاعات.
وتقول إحدى القائمات على الخدمة:
"لاحظنا زيادة في المكالمات من متحدّثين بالعبرية من مختلف أنحاء أستراليا، وليس فقط من نيو ساوث ويلز. كما قدّمنا الدعم لأشخاص نجوا من الحروب، وأعاد لهم ما حدث صدماتهم المؤلمة. هناك شعور متزايد بانعدام الأمان والهشاشة داخل المجتمع، بعد مرحلة كانوا يشعرون فيها بالاستقرار. الحاجة اليوم في أستراليا ملحّة للغاية."
وتُقدَّم هذه الخدمة منذ عام 2022، وتشمل استشارات نفسية مجانية للناجين من الحروب بلغاتهم الأم، مع إمكانية الاستعانة بمترجم، في محاولة لتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية التي غالبًا ما تعيق الوصول إلى الدعم النفسي.
تعمل فدى الحداد كمشغّلة للخط الساخن منذ أكثر من عامين، وتمثّل نموذجًا حيًا للتجربة التي يحملها كثير من العاملين في هذا المجال. فقد غادرت لبنان في رحلة طويلة، حصلت خلالها على درجتي البكالوريوس والماجستير في العلوم الاجتماعية في أستراليا، قبل أن تخضع لتدريب مستمر في مجال الصحة النفسية.
تصف فِدى عملها بأنه شاق، لكنه عميق الأثر، قائلة:
"أشعر بامتياز هائل لأنني أستطيع تقديم هذه الخدمات لمجتمعنا. هدفي هو تمكين مجتمعنا وبناء روابط أقوى داخله. هنا قلبي، وهنا أقدّم أفضل ما لديّ."
وترى أن خلفيتها الشخصية تتيح لها بناء علاقة ثقة وإحساس بالأمان مع المتصلين:
"مشاركتنا تجربة الهجرة أو اللجوء تعني أننا جئنا إلى أستراليا بحثًا عن الأمان، هاربين من الحروب. بعضنا لا يستطيع العودة إلى بلده. نحن نفهم الألم من دون الحاجة إلى تسميته أو الحكم عليه. نُصغي بتعاطف، ومن دون أحكام."
من جهته، يقول الطبيب النفسي العيادي خورخي أروش، المدير التنفيذي لمنظمة ستارتس (STARTTS) غير الربحية التي تشغّل الخط الساخن، إن المشروع بدأ كمبادرة مؤقتة لمدة ستة أشهر بتمويل من حكومة نيو ساوث ويلز، وكان موجّهًا في الأساس لدعم الجالية الأفغانية.
ويضيف أن الخدمة تطوّرت مع مرور الوقت لتواكب اتساع الحاجة المجتمعية، مقدّمة الدعم لأشخاص فرّوا من النزاعات في أوكرانيا، إيران، سريلانكا، الهند، وجنوب السودان.
"من المشجّع أن تدرك الحكومات أهمية وجود خط ساخن متاح بلغات مختلفة، ومراعٍ للتأثير العميق الذي تخلّفه مثل هذه الأحداث على أشخاص سبق لهم النجاة من أهوال مشابهة. نأمل اليوم أن نكون قادرين على الاستجابة وطنيًا، من دون إعادة اختراع الحلول في كل مرة."
بعد حادثة إطلاق النار الجماعي في بونداي، بدا واضحًا التغيّر في طبيعة المكالمات، كما تشير فِدى:
"سمعت هذا الشعور من متصلين يهود، ومن متحدّثين بالعربية أيضًا. إحساس مشترك بعدم الأمان. أماكن عامة كانوا يرتادونها من دون خوف أصبحت اليوم مصدر قلق. هذا لم يكن مألوفًا في أستراليا، وما حدث ضرب الإحساس بالأمان في الفضاء العام."
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الفيدرالية عن تمويل يتجاوز 40 مليون دولار لدعم خدمات الصحة النفسية عقب هجوم بونداي، الذي يعدّ أسوأ حادثة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ مجزرة بورت آرثر عام 1996. وسيُخصَّص مبلغ 3.6 مليون دولار من هذا التمويل لدعم خط «شاهد على الحرب».
وتقول جميلة بادي إن هذا الدعم المالي سيسمح بتوفير وصول عادل إلى رعاية نفسية متخصصة في جميع أنحاء أستراليا، بما في ذلك المناطق الإقليمية:
"إنه حدث مأساوي، وكل الأستراليين يشاركون المجتمعات اليهودية حزنها. لكن هذا المستوى من العنف يُعدّ محفّزًا نفسيًا لكثير من المجتمعات، لا سيما اللاجئين الذين فرّوا من الحروب والاضطهاد. هذه الخدمة كانت محصورة في نيو ساوث ويلز، أما اليوم فستتمكّن من الاستجابة على المستوى الوطني."
وتشغل بادي منصب المنسّقة الوطنية لشبكة فاست (FASSTT)، التي تضم ثماني وكالات متخصصة في التعافي من آثار التعذيب والصدمات النفسية للاجئين في مختلف الولايات والأقاليم.
وتؤكد أن الهدف في المرحلة الحالية هو إعادة بناء مقوّمات الأمان، ليس فقط على المستوى الفردي، بل على المستوى المجتمعي، قائلة:
"الأمان ليس جسديًا فقط، بل نفسي أيضًا. الإحساس بالانتماء عنصر أساسي. الصدمة تؤثر على تفاصيل الحياة اليومية، ولهذا نعمل على مساعدة الناس في إعادة بناء حياتهم، سواء عبر الروابط المجتمعية أو إيجاد عمل، وكل ما يعزّز قدرتهم على الاندماج."
ويرى خورخي أروشي أن الحاجة إلى خدمات الخط الساخن ستستمر لفترة طويلة، في ظل بقاء آثار الصدمة والحزن، محذرًا من أن إعادة ترميم الروابط المجتمعية المتصدّعة تتطلّب وقتًا وجهدًا:
"الأعمال الإرهابية تُرتكب بهدف تدمير نسيج المجتمع وبثّ الخوف. الحزن عملية طويلة. ما حدث لم يستهدف جالية بعينها فحسب، بل ضرب إحساسنا الجماعي بالأمان، ونمط حياتنا، والطريقة التي نرى بها أستراليا."
ويشير إلى أن الصدمة لدى الناجين من الحروب قد تظهر أعراضها في مراحل لاحقة، ما يستدعي دعمًا طويل الأمد، خصوصًا للأطفال والشباب، معتبرًا أن:
"التحدّي الأكبر هو منع هذا الحدث من تقويض التماسك الاجتماعي أو تعميق الاستقطاب. الاستثمار في دعم الشباب اليوم هو استثمار في مستقبل المجتمع ككل."
هذا التقرير من إعداد بيوا كوان من SBS News وبترا طوق الهندي لأس بي أس عربي.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.وعلى القناة 304 التلفزيونية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.











