مع دخول العملية التركية في شمال سوريا يومها السابع، لم تنقشع العاصفة التي سببها التدخل العسكري المفاجئ. الوضع السياسي والأمني على الأرض يتغير على مدار الساعة، وكذلك وضع عشرات الآلاف من النازحين الذين استقبلتهم المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
القوات المكونة من تحالف فصائل عربية وكردية كانت حتى أسبوع مضى في تحالف مستقر مع الولايات المتحدة، حتى انسحبت الأخيرة سريعا واجتاحت فصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا البلدات الحدودية.
سريعا، تدهور الوضع الإنساني في شمال غرب سوريا، وبدأ تدفق النازحين من مناطق العمليات العسكرية. هنا في أستراليا كانت أنظار بعض العائلات مثبتة على مخيم للنازحين يقع يقع على بعد 110 كيلومترا جنوبي جبهات القتال.

مخيم الهول يضم بين جنباته 66 من النساء والأطفال الأستراليين، وذويهم هنا قلقون للغاية على مصيرهم.
في ملبورن، كانت سونيا عباس تتابع الأخبار بقلق، فقبل نحو 3 أشهر كانت هناك في المخيم تزور اختها العالقة هناك. كوثر موجودة هناك بصحبة بناتها الخمسة وأربعة من أحفادها.
قالت سونيا "آخر اتصال معها كان منذ يومين ومن وقتها انقطعت الاتصالات بسبب عدم وجود خطوط." وأضافت بقلق "آخر تسجيل جاءني من ابنة اختي الصغيرة قالت لي إنهم وجدوا جثة في الحمام مقطوع رأسها وأنهم خائفين للغاية."
وهو ما أكدته ليلى رزكار مسؤولة قسم النساء الأجانب في المخيم لـSBS Arabic24 "وجدنا امرأة في حفرة المجاري كان قد مضى على قتلها نحو شهر ونصف." وقالت رزكار إن بعض النساء اللواتي ما زلن يحملن ولاء للتنظيم داخل المخيم صعدن من نشاطهن في الآونة الأخيرة: "خلال الشهور الأربعة الأخيرة قُتل ثلاث نساء وتم ضرب أحد عشر طفلة وامرأة وحرق 20 خيمة في قسم المهاجرات (الأجانب)."
وشكلت النساء المتطرفات في المخيم تشكيلات خاصة للقيام بالحسبة داخل المخيم، وهي تشبه قوة شرطة تطبيق الشريعة التي كانت موجودة خلال فترة حكم التنظيم. قالت رزكار "الحسبة منتشرة في المخيم، وهي فعالة ومسيطرة، ويقومون بتهديد النساء اللواتي لا يستمعن لأوامرهن وحرق خيامهم وتهديدهم بالقتل."
وأضافت "يتحكمون بالكل، والكل خاضع لهم برضا أو بغير رضا، ومن يعترض يتم تهديده بالضرب والقتل وحرق الخيام."

تدهور الأوضاع بهذا الشكل لم يكن صادما لسونيا، التي عاينت جانبا منها عندما زارت أقاربها هناك في يوليو تموز الماضي: " الوضع في المخيم كان صعب جدا، لم أرى في حياتي شيئا كهذا." وأضافت "الأولاد وزنهم قليل للغاية، ليس وزنا طبيعيا."
"أحضرت لهم شاورما لحم عندما كنت هناك، ركضوا فرحا لأنهم لم يتناولوا اللحم منذ وقت طويل." وأكدت "شعرت أنه ينقصهم الكثير."
"عدت من هناك بتصميم أكبر على مساعدتها هي وكل البنات الأستراليات والأطفال في المخيم."
المخيم الذي يمتد على مساحة 17500 كيلومترا أصبح يضم أكثر من 70 ألف من عائلات تنظيم داعش أغلبهم من النساء والأطفال. ومنذ خسارة التنظيم لآخر منطقة يسيطر عليها في الباغوز شمالي سوريا، خرج عشرات الآلاف من الأفراد المرتبطين به وتم توزيعهم على ثلاثة مخيمات، أكبرهم الهول.
مخيما مبروكة وعين عيسى علقا في القتال بالفعل وفر نحو 750 شخصا مرتبط بالتنظيم إلى جهات غير معلومة في سوريا. وفي محاولة لاستغلال الفوضى الناتجة عن العملية العسكرية التركية، قامت النساء المتشددات في مخيم الهول بالقيام بأعمال شغب والاشتباك مع قوات الأمن حول المخيم بالحجارة.
وقالت ليلى رزكار من إدارة المخيم "تم سحب أكثر من نصف القوات التي تحمي المخيم إلى الجبهات." وأضافت "وتيرة الأحداث متسارعة للغاية."
"في ثاني أيام الهجوم، قامت النساء بالتجمع في السوق محاولين فتح المخيم من الداخل، وقاموا بضرب الأسايش (قوات الأمن الكردية) بالحجارة واستخدام الأطفال لحماية أنفسهم، وهددوا بإحراق المخيم على من فيه."
وأضافت رزكار "هذه الأيام تشهد حركة تهريب كبيرة من المخيم، وأغلقت المنظمات الإنسانية مكاتبها خوفا من تعرض موظفيها لهجمات من قبل نساء داخل المخيم أو من خلايا داعش خارجه."

تتذكر سونيا كيف أصبحت اختها التي تحمل الجنسية الأسترالية عالقة في هذا الوضع الفوضوي. قبل أكثر من أربع سنوات ذهبت كوثر لمتابعة أعمالها الخيرية في سوريا كما تقول اختها: " أختى كان لديها منظمة خيرية ومعروفة في مجال العمال الخير، وكانت تجمع تبرعات وترسلها إلى سوريا لمساعدة الناس هناك."
وأضافت "قامت ببناء ملجأ للأطفال الأيتام ومشغل للخياطة ومخبز للنساء."
اصطحبت أولادها للذهاب إلى هناك لمعاينة العمل الخيري على أرض الواقع. "كانت الخطة عندما اصطحبتهم أنها ستعود، أولادها في المدارس ولديهم حياة هنا."
"أخذت أولادها ليشاهدوا ثمار عملها الخيري، أرادت أن تربيهم على حب العمل الخيري." وأكدت سونيا أن المنظمة التي كانت تديرها اختها "مسجلة ومعروفة لدى الحكومة الأسترالية ومعروف عملها."
وقالت إنها نفسها ذهبت إلى سوريا للقيام بعمل خيري تابع لمنظمة اختها حيث تم بناء "مستشفى للأطفال في منطقة باب الهوى." وأضافت "أنا عدت سالمة وهي علقت هناك."
مناشدات للحكومة بالتحرك العاجل
كمال دبوسي الذي يمثل العائلات الأسترالية العالقة هناك قلق من الوتيرة المتسارعة التي تسير بها الأحداث. وقال دبوسي، والذي تتواجد ابنته وحفيديه هناك في المخيم، أن المخيم ما زال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وأضاف "لكن هذا الوضع قد يتغير خلال أيام وليس أسابيع."
وذهب دبوسي إلى كانبرا سعيا للضغط على الحكومة من أجل التحرك لإنقاذ مواطنيها. سونيا عباس ناشدت الحكومة أيضا: "نطلب من الحكومة الأسترالية إخراجهم إلى مكان آمن، فقط لإبقائهم على قيد الحياة."
وأضافت "نرغب في إعادتهم إلى أستراليا بالطبع، ولكنهم الآن معرضين للخطر."

لكن وزيرة الخارجية الأسترالية ماريس باين قالت الأسبوع الماضي إن حكومة موريسون لن تأخذ خطوات عاجلة لإخلاء الأستراليين من المخيم. وقالت إن الأمر قد يشكل خطرا على الأفراد الأستراليين الذين سيشاركون في عملية الإخلاء.
لكن سونيا عباس تقول إنها على استعداد للذهاب وإحضارهم من هناك: "أنا مستعدة للذهاب إلى هناك والعمل على إعادتهم لو كانت الدولة ترغب في هذا."
وأضافت "ذهبت إلى أربيل في العراق وقالوا لي أنهم بإمكانهم إخراج الأستراليين من هناك عن طريق العراق، فقط في حالة تقديم ورقة من الحكومة الأسترالية تطلب هذا."
وأكدت "فقط لو أعطونا الضوء الأخضر سنذهب إلى هناك ونعيدهم."

لكن الأمر لا يقتصر على سلامة الموظفين الأستراليين، لكن أيضا الخطر الأمني الذي يشكله الأستراليون هناك كما قال المحلل الأسترالي المختص في شؤون الشرق الأوسط رودجر شاناهان لـSBS News: "يجب على الحكومة تقييم الخطر الأمني الذي قد يشكله البالغين هناك، وإن كان بإمكان الدولة جمع أدلة كافية لملاحقتهم قضائيا عن عودتهم."
وكانت أستراليا قد اعادت بالفعل 8 أيتام من أبناء وأحفاد المقاتل الأسترالي الأشهر في صفوف داعش خالد شروف، لكن شاناهان قال إن إعادة الأطفال الموجودين بصحبة أمهاتهم أكثر صعوبة: "على الحكومة أن تحدد الأفراد الموجودين في كل عائلة، وما هي مسؤولية الحكومة تجاه كل منهم، ما نعرفه أن الأطفال في المخيم من آباء مختلفين."
وكانت وزارة الخارجية قد قالت إنها تقيم ملفات الاستراليين الموجودين في سوريا بشكل فردي، لكن سونيا لا تعتقد أن الحكومة تفعل ما فيه الكفاية: " لم تحدث أي مقابلات معهم من قبل مسؤولين في الدولة." وقالت "هذا يجعلنا نشك في جدية الجهود الحكومية لتقييم أوضاعهم وإعادتهم."






