النقاط الرئيسية
- المسحراتي مهنة رمضانية قديمة تعود إلى عهد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)،
- تطورت مهنة المسحراتي منذ عهد الدولة العباسية في مصر حتى أيام العهد الطولوني.
- انطلق مسحراتي الإذاعة في عام 1964 على يد الشاعر فؤاد حداد والموسيقار سيد مكاوي.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
المسحر أو المسحراتي هو الشخص الذي كان ينتظره المسلمون مع حلول شهر رمضان المبارك والذي كان يتولى مهمة إيقاظ الناس لتناول وجبة السحور قبل آذان الفجر، فكان يجوب شوارع وأزقة الحارات حاملًا بين يديه طبلته الصغيرة ومُناديًا بأعلى صوته بكلمات وعبارات كان يقوم بتلحين بواسطة ضربات فنّية يوجّهها إلى طبلته فكانت تضفي سحراً خاصاً على المكان ومنها " قوموا إلى سحوركم .. رمضان جاء يزوركم". وكان الأطفال ينتظرونه ليشاهدوه ويرافقوه في مشواره ولينشدوا معه أناشيده التي يرددها قبل مطلع الفجر.

من هو أول مسحراتي في الإسلام؟
المسحراتي مهنة رمضانية قديمة قدم التاريخ تعود إلى عهد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، وكان الصحابي بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام، هو من قام بهذه المهمة مع عبدالله بن مكتوم، إذ كان يؤذن للفجر مرتين آنذاك، فكان بلال يجوب الطرقات مؤذناً لإيقاظ الناس للسحور بصوته العذب، وعندما يحين وقت الإمساك عن الطعام كان عبد الله بن مكتوم يؤذن الفجر ليمتنع الناس عن الطعام والشراب.
وفي مكة كان المسحراتي يصعد على المئذنة لينادي على الناس حاملاً بيده قنديلاً ليراه الناس ويجذب إنتباههم.
لكن القصة لا تنتهي هنا، أما في عهد الدولة العباسية وتحديداً عام 853 ميلادي وبعد أن قام الخليفة العباسي المنتصر محمد بن الخليفة المتوكل على الله جعفر بتولية عنبسة بن إسحاق ولاية مصر لاحظ عنبسة أن المسلمين لا ينتبهون كثيراً إلى وقت السحور ولا أحد يؤدي هذه المهمة فقرر أن يؤديها بنفسه. فكان عنبسة يطوف الشوارع ليوقظ الناس متجولاً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص، وكان ينادي قائلاً: "عباد الله، تسحروا فإن في السحور بركة." كما كان ينشد الأناشيد بصوت جهوري لإيقاظ الناس للسحور.

ومنذ ما يقرب من ألف عام، وتحديدًا في عصر الدولة الفاطمية، أمر الحاكم بأمر الله، الناس أن يناموا مبكرا بعد صلاة التراويح، وكان الجنود يمرون على المنازل ويدقون أبوابها ليوقظوا المسلمين للسحور، حتي تم تعيين رجل للقيام بتلك المهمة، أطلقوا عليم اسم "المسحراتى"، كان يدق الأبواب بعصًا يحملها قائلاً: "يا أهل الله قوموا تسحروا".
بعد أن كادت تندثر مهنة المسحراتي ، قام السلطان المملوكي الظاهر بيبرس بالعمل على احيائها كتراث اسلامي، ولتحقيق ذلك قام بتعيين صغار علماء الدين بالدق على أبواب البيوت، لإيقاظ أهلها للسحور، وبعد أكثر من نصف قرن، وتحديدا في عهد الناصر محمد بن قلاوون، ظهرت طائفة أو نقابة المسحراتية، والتي أسسها أبو بكر محمد بن عبد الغني، الشهير بـ"ابن نقطة"، وهو مخترع فن "القوما"، وهي شكل من أشكال التسابيح، ولها علاقة كبيرة بالتسحير في شهر رمضان، ظهرت في بغداد في بادئ الأمر، قبل أن تنتقل إلي القاهرة.
أما اللافت أنه في عصر الدولة الطولونية، كانت السيدات تجلسن وراء المشربية أو الشناشيل في الحارات القديمة وهي الغرف الخشبية البارزة في الطابق الأول والممتدة فوق الشارع والمزخرفة بالنقوش والزجاج الملون، وكن ينشدن الأناشيد الدينية في محاولة منهم لإيقاظ أهل الحي للسحور.

المسحراتي في العصر الحديث
بعد ذلك انتشرت مهنة المسحراتي في كافة البلدان العربية والإسلامية، لكن المسحراتية المصريين هم أول من أيقظ الناس على الطبلة، وكانت تسمى "بازة" ثم تطورت إلى طبلة كبيرة يدق عليها أثناء تجوله فى الأحياء وهو يقول أشعاراً شعبية وزجلاً خاصاً، ثم تطورت المهنة لتضم فريقاً معهم طبلة وصاجات برئاسة المسحراتي، يؤدون أهازيجاً خفيفة، يؤلفها الشعراء الشعبيون.
أما المسحراتي في الشام كان يمر على البيوت ويعزف على العود والطنابير وينشد الأناشيد الدينية الخاصة برمضان. أما في اليمن كان المسحراتي يقرع الأبواب بالنبابيت. وفي المغرب كان المسحراتي يعزف المزمار.
وفي القرن التاسع عشر، تطور المسحراتي في مصر والسودان، فكان يجول الشوارع والأزقة ومعه طفل يحمل فانوساً لينير له الطريق، وكان المسحراتي على دراية بسكان المناطق التي يطوف بها ومعه دفتر كان قد دوّن فيه أسماء أهل الحي فكان يشجع الأطفال على السحور عن طريق النداء عليهم بأسمائهم مما كان يضفي جوا من البهجة في نفوس الأطفال والكبار أيضاً.

كان المسحراتي لا يأخذ أجرة ، بل كان ينتظر حتى أول أيام العيد فيمر بالمنازل منزلاً منزلاً ومعه طبلته المعهودة ، فيوالي الضّرب على طبلته نهار العيد كعادته في ليالي رمضان، فيهب له النّاس بالمال والهدايا والحلويّات ويبادلونه عبارات التّهنئة بالعيد السّعيد.
في عام 1964 اتخذت مهنة المسحراتي بعداً فنياً على يد الشاعر فؤاد حداد والموسيقار سيد مكاوي ، حيث انطلق مسحراتي الإذاعة، ومع انتشار التلفزيون أبدع مكاوي في مزج فن التسحير بالوعظ والإنشاد في حب الوطن.
أنا اليوم فصوت المسحراتي بات يخبو ومهمته بدأت تندثر مع التطور التكنولوجي وقيام المنبه والهاتف بدوره، لكن رغم ذلك لا صوت يمكن أن يضاهي صوت المسحراتي وكلناته وتعابيره ودقات طبلته عند ساعات الفجر الأولى، لذا تبقى شخصية المسحراتي من أبرز الشخصيات الرمضانية وجزءاً مهماً من تقاليد الشهر الفضيل في البلاد العربية والإسلامية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




