في احتفالية رعتها القنصلية العامة للجمهورية اللبنانية في ملبورن، ممثلة بالقنصل العام في ملبورن رامي الحامدي، كان واضحًا منذ اللحظة الأولى، أن الاحتفاء بجبران يتجاوز المعنى الثقافي الضيق، ليصبح فعلًا من أفعال الوفاء للمهجر نفسه. فالجالية اللبنانية والعربية في أستراليا لم تجتمع حول كاتبٍ مضى، بل حول صورة من صورها هي، صورة المهاجر الذي عبر القارات ولم يقطع الخيط السري الذي يربطه بوطنه الأم. وفي جبران، وجدت هذه الجالية بعضًا من سيرتها الرمزية؛ فكما حمل هو لبنان إلى العالم، يحمل أبناؤه اليوم لبنان في أصواتهم وكتبهم ومبادراتهم الثقافية، كأنهم يصرّون، مرة بعد مرة، على أن الغياب عن الأرض لا يعني الغياب عن المعنى.
في هذا السياق، جاء صوت القنصل اللبناني العام في ملبورن، رامي الحامدي، ليضع المناسبة في إطارها الأوسع. لم يتحدث بوصفه ممثلًا رسميًا فحسب، بل بوصفه قارئًا لدور الثقافة في حماية صلة المغترب بجذوره. فالجاليات، كما بدا في حديثه، لا تحفظها المعاملات اليومية وحدها، بل تحفظها أيضًا تلك المساحات التي تذكّر أبناءها بأنهم ينتمون إلى تاريخ أدبي وثقافي وحضاري أوسع من تفاصيل الحياة اليومية. ومن هنا، جاء الاحتفاء بجبران فعلًا رمزيًا بامتياز؛ تكريمًا لأديبٍ لبناني عالمي، وفي الوقت نفسه تكريمًا لكل مهاجر لم ينسَ وطنه، وبقي يرى في الثقافة إحدى أكثر الطرق نبلاً لحراسة الانتماء.

ولأن جبران لم يكن يومًا مجرد اسم يُستعاد في المناسبات، بل عالمًا كاملًا من الرؤى والأسئلة والدهشة، فقد جاء الجهد الذي بذله الأب رامي شُلّمي في تحقيق الكتاب ليمنح الأمسية عمقها الحقيقي. لم يكن الرجل يتحدث عن عمل تقني أو أكاديمي فقط، بل عن رحلة شاقة وطويلة في ملاحقة النصوص الأصلية، ومقارنة ما نُشر في الصحافة القديمة بما استقر لاحقًا في الكتب. ثلاث سنوات من التنقيب في الأرشيف والمراجع النادرة والنُسخ المتفرقة، كأنها ثلاث سنوات من الإصغاء العميق إلى صوت جبران وهو يحاول أن يعود إلى صفائه الأول.

ما يمنح هذا الجهد فرادته ليس فقط صعوبته، بل أيضًا تلك المحبة الواضحة التي تحكمه. فثمة فرق كبير بين من يحقق نصًا لأنه موضوع بحث، ومن يحققه لأنه يشعر أن وراء الكلمات أمانة يجب أن تُرد إلى صاحبها كما كُتبت أول مرة. ولهذا بدا حديث الأب رامي شُلَمي عن جبران حديثًا خارج إطار البحث العلمي؛ بل هو حديث فيه شيء من الشغف، والاعتراف بأن جبران، مهما اقتربنا من نصوصه، يظل سرًا مفتوحًا على اكتشاف جديد. كل قراءة له تضيف طبقة أخرى من المعنى، وكل عودة إليه تبدو كأنها عودة إلى بئر لا ينضب.
ولعل اختيار ملبورن لإطلاق هذا العمل لم يكن تفصيلًا عابرًا. ففي هذه المدينة التي استقبلت موجات من المهاجرين اللبنانيين والعرب، حيث اكتسبت الأمسية معنى إضافيًا. إذ بدا المشهد وكأن المهجر نفسه هو من يحتفي بجبران، أو كأن جبران، ابن الاغتراب الروحي والجغرافي، يعود هذه المرة من باب مدينة بعيدة ليقول إن الثقافة لا تحتاج إلى العواصم وحدها كي تزهر، وإن البُعد قد يكون أحيانًا أكثر وفاءً لذاكرة الوطن من قربٍ يستهلكه الاعتياد.
وحضر هذه الأمسية العرب في الاغتراب والمهجر الأسترالي، ممثلين عن أحزابهم في البرلمان، وسياسيين، ورجال أدب وفكر وعلماء دين ورجال أعمال، وصحافة وعدد من المهتمين بأدب جبران من أبناء الجالية العربية وعدد من الأستراليين المهتمين في هذا الحفل الذي قدمه الأستاذ سامي مظلوم.

وفي حالة تعكس أهمية هذا الحدث، جاء صوت المطران أنطوان شربل طربيه راعي الأبرشية المارونية في أستراليا ونيوزلندا وأوقيانيا، ليمنح المناسبة بعدها الروحي والوجداني. ففي تأمله بجبران ولبنان، حضرت تلك الثنائية التي تلخص شيئًا كثيرًا من التجربة اللبنانية؛ الدمعة والابتسامة، دمعة حين نفكر بلبنان المثقل بالجراح والأزمات، وابتسامة حين نتذكر ما أعطاه هذا البلد الصغير للعالم من أدب وفكر وفن وشعر. في هذه المفارقة، بدا جبران أكثر من مجرد أديب؛ بدا مرآةً لوطنٍ يتألم ولا يفقد قدرته على الإشعاع، يتعثر لكنه لا يتخلى عن رسالته في إنتاج الجَمال.

و في لمسة وفاء، قام أبناء الجالية اللبنانية في ملبورن، بتقديم درع شكر للقنصل العام في ملبورن الأستاذ رامي الحامدي، على رعايته للأمسية وخدماته الجليلة في خدمة أبناء الجالية اللبنانية في ملبورن.
إذن،في تلك اللحظات، لم يُحتفَ بكتاب فقط، بل احتُفي بفكرة أعمق وأبقى، أن المهجر ليس منفى للروح، بل قد يكون أحيانًا بيتًا آخر للذاكرة. وأن جبران، بعد كل هذه السنين، ما يزال قادرًا على أن يجمع حول اسمه لبنانًا كاملًا؛ لبنان الدمعة التي لا تخجل من حزنها، ولبنان الابتسامة التي تصرّ على أن الجمال، مهما اشتدت به العواصف، ما زال ممكنًا.
استمعوا لتقرير يحتفي بجبران المهجري في المهجر الأسترالي، بالضغط على زر الصوت في الأعلى.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية



