للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
مع التسارع الهائل في التطور التكنولوجي، لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل لغة برايل مهمة؟
بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تتغير أدوات الوصول إلى المعرفة؟ وهل ما زالت برايل تحتفظ بدورها، خصوصاً في التعليم العالي؟
برايل… اختراع وُلد من الحاجة
يرى الأستاذ الجامعي والأكاديمي أركان يوسف أن لغة برايل ليست مجرد نظام من النقاط البارزة، بل هي مثال حي على مبدأ "الحاجة أمّ الاختراع".
فقد وُجدت برايل أساساً لضمان تكافؤ الفرص بين الأشخاص المكفوفين وغيرهم، ومنع التمييز في الوصول إلى المعلومات والمعرفة، سواء في التعليم أو في الحياة اليومية.
من هذا المنطلق، لا يقتصر اليوم العالمي للغة برايل على الاحتفاء بالأداة بحد ذاتها، بل يسلّط الضوء على قضية أوسع، تتعلق بحق الوصول العادل إلى المعرفة، مهما اختلفت الوسائل.
مسيرة أكاديمية بلا برايل
رغم إيمانه العميق بقيمة لغة برايل، لم يعتمد أركان يوسف عليها خلال مسيرته التعليمية. ويؤكد أن ذلك كان نتيجة مزيج من الخيار الشخصي والظروف التعليمية.
بعد وصوله إلى أستراليا عام 2006، بدأ دراسته في معاهد التعليم المهني (TAFE)، حيث تعرّف للمرة الأولى بشكل جدي على استخدام الحاسوب، واعتمد على برامج قراءة الشاشة الناطقة مثل JAWS وNVDA.
هذه الأدوات مكّنته من الوصول إلى المحتوى الأكاديمي، والبحث عبر الإنترنت، وقراءة الكتب الرقمية، دون أن يشكّل غياب برايل عائقًا حقيقيًا أمام تقدمه العلمي.
هل غياب برايل عائق أكاديمي؟
من تجربة أركان، لا يشكّل غياب برايل عائقاً حتمياً، طالما توفرت بدائل تكنولوجية فعّالة.
فبالنسبة للأشخاص القادرين على استخدام برامج قراءة الشاشة، يمكن للتقنيات الناطقة أن تؤمّن وصولًا واسعاً وسريعاً إلى المعلومات.
لكن في المقابل، يؤكد أن برايل تصبح ضرورية في حالات محددة، لا سيما للأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في السمع، أو صعوبة في الاعتماد الكامل على الوسائل الصوتية.

دور برايل في الاستقلالية اليومية
بعيدًا عن التعليم، تحتفظ برايل بدور أساسي في تعزيز الاستقلالية الشخصية.
ففي الحياة اليومية، تساعد برايل الأشخاص المكفوفين على التعرّف إلى الأدوية، قراءة تعليمات الاستخدام، التسوق، والاعتماد على الذات دون الحاجة المستمرة إلى مساعدة الآخرين.
وهنا يلفت أركان إلى أن برايل لا تقتصر على الكتب الأكاديمية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة البسيطة، التي تشكّل فارقاً كبيراً في كرامة الفرد واستقلاله.
التعليم العالي… لماذا تراجعت لغة برايل؟
في الجامعات الأسترالية، يلاحظ أركان أن استخدام برايل في التعليم العالي محدود جداً، إلى درجة أن العديد من الأساتذة والمؤسسات لا يعرضونها كخيار أساسي للطلبة المكفوفين.
ويرجع ذلك إلى صعوبة تحويل المواد الأكاديمية المعقدة إلى برايل، إضافة إلى انتشار البدائل الرقمية السريعة والمرنة.
لكن هذا التراجع لا يعني، برأيه، أن برايل فقدت أهميتها، بل يعكس تحوّلًا في أدوات التعليم، لا في جوهر الحق في المعرفة.
القراءة باللمس… تركيز أعمق من الصوت
يشدد أركان يوسف على أن لبرايل ميزة لا يمكن للتقنيات الصوتية تعويضها بالكامل، وهي تعزيز مهارات القراءة والكتابة والتركيز.
فالقراءة باللمس ترسّخ الكلمة في الذهن، وتساعد على بناء مهارات لغوية أقوى، خاصة في الكتابة الأكاديمية والتحليل.
أما المحتوى الصوتي، فرغم سهولته، قد لا يترك الأثر المعرفي العميق ذاته، ولا يمنح القارئ الإحساس الكامل بامتلاك النص.
برايل… اختراع لا ينتهي
منذ اختراعها على يد لوي برايل عام ألف وثمانمئة وتسعة وعشرين، شهدت هذه اللغة تطورات كبيرة، ولم تبقَ جامدة عند شكلها الأول.
واليوم، تتكامل برايل مع التكنولوجيا الحديثة، من خلال شاشات برايل الإلكترونية، وتطبيقات متطورة، تتيح استخدامها دون الاعتماد على الصوت أو الحاسوب التقليدي.
لهذا، يؤكد أركان أن الحديث عن "نهاية برايل" غير واقعي، لأنها ما زالت تملأ فراغات لا تستطيع التكنولوجيا وحدها سدّها.
حق الوصول إلى المعرفة… جوهر النقاش
في اليوم العالمي للغة برايل، يتضح أن النقاش الحقيقي لا يدور حول أداة واحدة، بل حول تعدد الخيارات واحترام اختلاف التجارب والاحتياجات.
تمكين الأشخاص المكفوفين في التعليم العالي لا يتحقق بفرض مسار واحد، بل بتوفير دعم حقيقي، وسياسات تعليمية مرنة، تستند إلى الاستماع لا الافتراض.
وتبقى رسالة برايل، بعد نحو قرنين على ابتكارها، واحدة:
أن المعرفة حق، وليست امتيازاً، وأن الإرادة الإنسانية أقوى من أي عائق.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.










