للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
ليست الهجرة دائمًا قصة خلاص، ولا يكون الوصول بالضرورة نهاية المعاناة. بالنسبة لمحمد العنزي، كانت الهجرة مسارًا طويلًا امتد ثلاثة عشر عامًا، حمل الأمل في بدايته، لكنه كان مثقلًا بالفقد، والانتظار، والأسئلة التي لا إجابات واضحة لها.
غادر محمد العراق عام 2013 وحيدًا، بعد قرار يصفه بأنه لم يكن سهلًا أبدًا. يقول: «اتخاذ القرار صعب… كان بين الصمت وإشارة صغيرة جدًا للأمل». لم يكن يبحث عن مغامرة، بل عن فرصة لحياة يمكن أن تُعاش بكرامة واستقرار: «كنت أبحث عن مستقبل في مكان آخر… قررت بوقتها أني لازم أحمل أمتعتي وأطلع من العراق».
كان الوداع موجعًا، لأن الرحلة مجهولة النهاية: «أنت مغادر بلدك وأهلك برحلة طويلة مجهولة… مش عارف شو نهايتها». ومع ذلك، حمل معه مزيجًا معقدًا من المشاعر: «كنت أحمل مزيجًا من الخوف والأمل… من المجهول والفقد».
الوصول… وبداية القلق الطويل
لم تكن بدايات محمد في أستراليا سهلة. وصل وحيدًا وفي ظروف قاسية، ووجد نفسه داخل منظومة من القيود والإجراءات والانتظار. يصف تلك المرحلة بأنها صدمة على أكثر من مستوى: قوانين صارمة، وإجراءات متلاحقة، وشعور دائم بعدم اليقين. يقول: «توصل البلد وما تعرف أحد… القلق والخوف والشكوك من المستقبل».
الأصعب، كما يروي، كان شعور التجميد: «ممنوع عليك شغل… ممنوع عليك دراسة… ممنوع عليك تسافر». وبين يوميات الانتظار وغياب وضوح المصير، تصبح الحياة معلّقة على قرار لا تعرف متى يأتي.
13 عامًا… والصبر كأداة للنجاة
ثلاثة عشر عامًا ليست رقمًا عابرًا. بالنسبة لمحمد، كانت مدرسة قاسية في الصبر: «واحدة من الأشياء التي تعلمتها في أستراليا هو الصبر». لكنه صبر لم يكن هادئًا، بل مليئًا بالقلق وتبدّل المزاج والإحساس بأن الحياة تتأخر: «طول الانتظار أثّر في نفسيتي وحياتي اليومية بشكل عميق».
يقول إنه في فترات كثيرة شعر أن الحلم تحوّل إلى عبء: «في فترات كثيرة شعرت بالرحلة عبث ثقيل عليّ… أكثر ما هي حلم»، خاصة عندما تكون وحيدًا في بلد جديد بلا شبكة اجتماعية، وبلا إحساس ثابت بالاستقرار.
لكن محمد وجد طريقه للبقاء عبر الناس والفن. كوّن صداقات تحولت إلى عائلة بديلة: «كونت مجموعة من الأصدقاء… أعتبرهم عائلة بصراحة». ويضيف أن هذا الدعم كان أساسيًا لتثبيت النفس وإعادة ترتيب الحياة، لأن العراقي – كما يقول – اجتماعي بطبيعته، وحين تُنتزع منه البيئة الاجتماعية يشعر بفراغ كبير.
أما الفن، فكان نافذة أخرى للنجاة؛ مجالًا يهرب إليه من ثقل الانتظار، ويمنحه معنى في فترة كان فيها كل شيء “معلّقًا”.
الغياب الأكبر… الأم
وسط كل ذلك، بقي الغياب عن العائلة الجرح الأعمق، وخصوصًا الأم. يعترف محمد أن أثر الفراق ظل حاضرًا حتى اليوم: «بقيت تقريبًا 13 سنة ما شفتهم… وبكل شكل أثّرت في نفسيتي».
الابتعاد عن الأم ليس مجرد مسافة جغرافية، بل زمن طويل من حرمان اللحظات الصغيرة، والدفء، والوجود الذي لا يعوّضه اتصال فيديو أو مكالمة.
لحظة الجنسية… فرح متأخر
بعد سنوات من الانتظار والقلق، حصل محمد على الجنسية الأسترالية قبل فترة قريبة. يصف لحظة استلامها بأنها مزيج من الفخر والانتماء والراحة: «شعرت بمزيج من الفخر والانتماء والراحة… وممكن هاي الورقة تكون أكثر استقرارًا».
لكنه يؤكد أن الفرح جاء متأخرًا: «الفرح يجي متأخر… بس بعد اختبار مسارًا طويلًا من الانتظار والقلق». لم يكن فرحًا بسيطًا، بل فرحًا مشروطًا بسنوات طويلة من الاستنزاف النفسي والانتظار.
ومع ذلك، فتحت الجنسية له الباب الذي كان ينتظره: السفر لرؤية والدته.

اللقاء المؤجل… والوداع السريع
يقول محمد إن أول ما فعله بعد استلام الجنسية هو التقديم على الجواز، لأن الهدف الأكبر كان واضحًا: «أهم من هذا… راح أشوف الوالدة».
لكن الحياة لم تمنحه الوقت. قبل سفره بأيام، تعرضت والدته لوعكة، ومع ذلك حمل أمله وذهب. وعندما وصل إلى العراق، توجه مباشرة إلى المستشفى… وهناك حدث ما لم يكن يتخيله.
بعد ست ساعات فقط من وصوله، توفيت والدته.
الفرح الذي انتظره سنوات انقلب حزنًا مفاجئًا. لم يعد الحديث عن “رحلة هجرة” فقط، بل عن لحظة إنسانية جارحة… لقاء كان ينبغي أن يحدث منذ زمن، لكنه جاء متأخرًا جدًا.
رسالة محمد… الأمل لا يُطفأ
رغم كل ذلك، لا يختتم محمد حكايته باليأس. بل يوجه رسالة واضحة لمن يعيش تجربة هجرة مشابهة: تمسّك بالأمل. يقول إن الأمل قد يبهت لكنه لا يجب أن ينطفئ، وأن الدعم الاجتماعي والصبر هما ما يجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار. ويضيف أن أستراليا – برأيه – بلد فرص، لكن الحلم له ثمن: «لازم تدفع الثمن عشان تحصل هذا الحلم».
في النهاية، تبقى قصة محمد شهادة على الوجه الآخر للهجرة: وجه الانتظار الطويل، والفرح الناقص، والحنين الذي لا يهدأ… وعلى حقيقة بسيطة: أن بعض الأفراح، مهما تأخرت، قد تأتي محمّلة بفقدٍ لا يمحوه شيء.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.


