في عام 1989، شدّت نهى الرحال إلى أستراليا برفقة زوجها وطفلة، في رحلةٍ كانت تظنها قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر. لكن زوجها أخبرها أنهم سيبقون في أستراليا لفترة طالت 13عامًا من الإقامة، قبل أن تدرك أن الغربة ليست محطة مؤقتة، بل قدرٌ جميل صاغ حياتها ومسيرتها لحوالي 36 عاماً.
تقول بابتسامة هادئة: "ما كانت خدعة أن طلب زوجي البقاء في أستراليا، بل كانت أجمل قرار اتُّخذ في حياتي، لأن الهجرة منحتني فرصة أن أكون ما أنا عليه اليوم."
بين الحنين والتعليم
درّست نهى أكثر من 40عامًا بين لبنان وأستراليا، حاملةً في قلبها عشقًا للعمل وتربية الأجيال. تقول:
أنا أحب العمل كثيرًا، أحب الأطفال والجيل الجديد، وأرى في التعليم رسالة تتجاوز حدود الصفوف.
واجهت صعوبات كثيرة في تعليم اللغة العربية بأستراليا، حيث تُعتبر لغةً ثانية، لكنها أصرّت أن تجعلها لغةً حية في قلوب الصغار. كتبت أغاني تعليمية للأطفال، وغرست حب العربية في نفوسهم كما تغرس الزهر في حديقتها الصغيرة.

الكتابة فعل مع سبق الإصرار والترصد
لم تكن الكتابة بالنسبة إليها تنفيسًا، بل عشقًا وقرارًا واعيًا. تقول: "الكتابة عندي عشق، وليست "فشة خلق". أنا أكتب عن الذاكرة والضيعة والطفولة كأنني أستنشق هواءها من جديد." ومن هذا العشق، وُلد إنجازها الأدبي الكبير ضمن كتاب "لا تسألوا الأشجار عن اسمها"، الذي أصدرته مع مجموعة من الكاتبات في إطار رابطة خير جليس التي شاركت في تأسيسها. تقول عنه بفخر: "أعتبره إنجازًا دخل تاريخ الأدب الأسترالي من بابه الواسع، لأنه حمل أصواتنا النسائية العربية إلى القارئ هنا."

لقب "أمّ الجماهير" قصة عنوانٍ ورحلة عمر
في هذا الكتاب، كتبت نهى قصتها بعنوان "أمّ الجماهير"، لكنها تضحك وهي تروي أصل اللقب: "منذ صغري كنت كثيرة الأصدقاء، والبيت ما كان يسعنا، فكانت أمي تقول لي: يا أمّ الجماهير! روحي لعبي برا!"
تلك الطفلة التي كانت تملأ أزقة الحكور بالحركة والضحك، كبرت لتملأ مدارس سيدني بالعطاء، وكتب الأدب بالحب، وحدائق بيتها بالزهور والزعتر والنعناع.
بين الأرض والكلمة
وتستعيد نهى إرث والدها العاشق للأرض، فتقول: "ورثت عنه حب الأرض. كنت أراقبه وهو يفلح، وكان يقول إن التراب أنظف ما في الوجود، لأن فيه نبض الحياة." واليوم، حين تقف بين نباتاتها، تشعر أن جذورها ما زالت تمتد إلى هناك، إلى لبنان الذي تركته جسدًا ولم يغادرها روحًا.
الغربة والهوية
تختم نوها فرانسيس حديثها بعبارةٍ تلخص كل شيء: "نحن خرجنا من الوطن، لكن الوطن ما خرج منّا. أستراليا منحتنا الأمان والفرصة، لكن الجذور ما زالت هناك، في الحكور، بين زهر الجميز ووجوه الناس الطيبين."
نهى فرانسيس المعلمة، الكاتبة، المربية، و"أمّ الجماهير" التي حملت وطنها في حقيبة الهجرة، لتزرعه في كل طفل علّمته، وفي كل صفحة كتبتها، وفي كل زهرةٍ أزهرت في حديقتها الأسترالية
استمعو لتفاصيل ونموذج من كتابات الأستاذة نهى فرنسيس بالضغط على الزر الصوتي في الأعلى.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.



