للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي
يقدّم النحّات العراقي وسام إبراهيم تجربة فنية تنطلق من الذاكرة العراقية المثقلة بالفقد، وتجسّد الغياب بوصفه سؤالا مفتوحا، لا إجابة نهائية له، عبر أعمال نحتية يتقدّمها مشروعه "غياب" ومنحوتة "وين صار علاوي؟"، فيما يواصل ايضا مشروعه النحتي "أختام" وهي تماثيل نصفية لرموز ومشاهير تركوا أثرا في هذه الحياة حيث تتحوّل المنحوتة إلى سؤال، والفن إلى شهادة
وأوضح أن النحت بالنسبة له "رسالة تختزل الكلام"، ومحاولة دائمة لـ"استعادة الإنسان من داخل الكتلة" في مواجهة الغياب الممتد بالحرب والهجرة.
وقال الفنان وسام إبراهيم في حديث لـ"أس بي أس عربي" إن عمل (وين صار علاوي؟) لا تكتفي بتقديم صورة لامرأة تنتظر، مبينا أن "العمل أوسع من امرأة وسؤال واحد"، واضاف أن العنوان نفسه "مقصود أن يكون غريبا وغير مألوف، كأنه صيحة وبداية سيناريو أو حكاية لا تكتمل إلا بجواب".
وأشار إلى أن المرأة الجالسة على عتبة الباب تمثل الأم بوصفها رمزا للقلق والحنان والانتظار الذي لا ينام، وقال "السؤال والغائب قد يكون من أب أو أخ، لكن الأم تحديدا هي القلب الأكبر، الذي لا يهدأ حتى يسمع أي خبر".
البدايات .. حين صار الإزميل لغة
وقال إبراهيم إن علاقته الأولى مع النحت بدأت في مرحلة مبكرة من حياته الدراسية، حين شكّل أول عمل له بأدوات بدائية من طابوقة في المنزل، موضحًا أن تلك القطعة البسيطة، التي كانت "قدم إنسان"، شكّلت خطوته الأولى نحو النحت، ومضى إلى القول إنها كانت لحظة اكتشاف اللغة التي سيعبّر بها لاحقًا عن ذاته والعالم.
وأشار الفنان وسام ابراهيم إلى أنه كان من أوائل المقبولين في أكاديمية الفنون الجميلة ، قسم الفنون التشكيلية، قبل أن تبدأ رحلته خارج العراق، متنقّلا بين الأردن ونيوزيلندا، حيث أقام معارض فنية وأسهمت تلك المحطات في توسيع تجربته الفكرية والفنية، مبينا أنه استقر لاحقا في أستراليا، واختار ملبورن تحديدا لما تتمتع به من تنوّع فني ومعماري ومساحات حقيقية للف، فضلا عن طقسها الساحر .
ولفت إلى أن إحدى محطاته المهمة كانت في كوينزلاند، حيث أنجز جداريات بمساحة تقارب ستين مترا مربعا، قبل أن يعود إلى ملبورن لمواصلة العمل على مشاريعه النحتية.
الباب في أعمالي ليس تفصيلا شكليا بل كتلة مشحونة بالزمن هو وطن وقصص واحداث وأشخاص دخلوا وخرجواالفنان وسام ابراهيم
الباب .. وطنٌ وذاكرة
وعن حضور الباب عنصرا مركزيا في عمله الاخير ، أوضح إبراهيم أن "الباب ليس رمزا للبيت فقط"، مؤكّدا أن "الباب وطن، وقصص، وأحداث، وأشخاص دخلوا وخرجوا"، وماضيا إلى القول إن هذا الباب "شهد أفراحا وأحزانا، سفرا وغربة ووفاة وعلاقات ومسرات"، قبل أن يضيف "هو مدخل لكل السيناريوهات، ولكل الحكايات".
وبيّن أن الباب في أعماله ليس تفصيلا شكليا، بل كتلة مشحونة بالزمن، موضحا أن آثار التهالك والكسور والثقوب "جزء من جماليته"، لأنها "تحمل تاريخ الاستخدام الطويل، وتحفظ ذاكرة المكان".
مشروع "غياب".. من الحرب إلى الغربة
وأوضح إبراهيم أن مشروع "غياب" لا يتوقف عند فقدان شخص في الحرب، مبينا أن "الغياب أصبح قضية يومية عاشها العراقيون عبر عقود من الحروب المتتالية"، ومضى الى القول إن هذا الغياب "امتد اليوم إلى الغربة".
وقال إن "الغربة هي غياب طويل"، معتبرا أنها "قد تكون أهدأ من غياب الحرب، لكنها تظل غيابا"، ولفت إلى أن هذا الإحساس هو ما يربط أعمال المجموعة ببعضها.
استعادة الإنسان من داخل الكتلة
وفي حديثه عن مشروعه النحتي الأوسع، أكّد إبراهيم أنه يسعى إلى "استعادة الإنسان من داخل الكتلة"، موضحا أن الشخصيات التي ينحتها "لا تختار لجماليات شكلية، ولا لأنها مشهورة فقط"، بل لأنها "تركت أثرا إنسانيا"
وقال"النحت عندي رسالة تختزم الكلام"، مشيرا إلى أن حضور الإنسان في العمل هو بحد ذاته رسالة، ومضيفا أن بعض الشخصيات، مثل جوليان أسانج، "كان لها تأثير عال، ولذلك تستحق أن تتحول إلى رمز".

من محمد غني حكمت .. درس المثابرة و المسار الخاص
وعن علاقته بأستاذه الراحل محمد غني حكمت، قال إبراهيم إن ما حمله عنه هو "المثابرة والديمومة والعطاء"، موضحا أن "يده وبها آثار الطين لم تتوقف يوما عن النحت"، ومضيفا "كلما نظرت إليه تشعر أنك قصّرت، بغض النظر عن الأسلوب أو التقنية".
الراحل محمد غني حكمت كان ماكنة نحت ويده وهي تحمل آثار الطين لم تتوقف عن الابداع والدرس الكبير الذي تعلمناه منه هو المثابرةالفنان وسام ابراهيم
بيد أنه أكّد في الوقت نفسه أنه تعمّد الابتعاد عن التقليد، وقال: "كثير من النحّاتين تأثروا بأساتذتهم لدرجة أصبحوا يقلدونهم بلا وعي"، مبينا أنه سعى إلى "الوصول إلى تجربة خاصة، وأفكار وأنماط بعيدة عن أسلوب محمد غني حكمت، مع كامل الاحترام له".
ولفت إبراهيم إلى أن ميله المتكرر إلى المكان العراقي، من الأبواب الزرقاء والفيروزية إلى النوافذ القديمة، هو فعل ذاكرة قبل أن يكون اختيارا جماليا، موضحا أن "هذا النوع من الأبواب أصبح اليوم مُهمَلا مع التصاميم الحديثة".
وقال إن "الباب بحد ذاته قطعة فنية، بطريقة نحته وتصميمه وتثبيته في الدار"، مضيفا أن الألوان وآثار الزمن "ليست عيوبا، بل جزء من روح العمل".
محاولة الدخول إلى عقل فنان سومري
وعن تجربته في العمل على اللوح أو الرقيم السومري، أوضح إبراهيم أنها كانت من أصعب تجاربه، قائلاً "حتى مع كل التكنولوجيا اليوم، ليس سهلا أن تتقمّص روح الفنان السومري".
وبيّن أنه حاول العمل "بلا أدوات حديثة، فقط قطعة طين ويد تكتب قصة"، مضيفا أن هذه التجربة "تحتاج إلى سنوات طويلة من التعمّق والدراسة، وليس مجرد محاولة تقنية".
وخلص النحّات العراقي وسام إبراهيم إلى أن أعماله ليست بحثًا عن جمال عابر، بل مواجهة صريحة مع الغياب، مؤكّدا أن النحت بالنسبة له "محاولة دائمة لاستعادة الإنسان من صمت الخشب، ومن ذاكرة لا تزال تنبض بالسؤال".
أكملوا الحوارات على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.



