للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغط على الرابط التالي.
لم يختر الدكتور علي عبد الرحمن الزعاك أن تكون القصيدة محطة عابرة في مسيرته، بل انتهى إليها بعد رحلة طويلة في المختبرات وقاعات الجامعة.
عالِم أحياء مجهرية، وعميد مؤسِّس، وأستاذ جامعي، قبل أن يتحوّل بعد التقاعد إلى شاعر وروائي يكتب بلغتين، ويعيد صياغة المعرفة في قالب سردي، والعلم في هيئة حكاية.
فوز قصيدته More Than Just Growing Older بالمركز الأول في مسابقة Booksie الأدبية لعام ألفين وخمسة وعشرين، لم يكن تتويجا لنص شعري فحسب، بل اعترافا بصوت عراقي كتب تجربة المنفى بلغة العالم، وحوّل التقدّم في العمر من قياس زمني إلى تأمّل في المعنى.
الفوز بمسابقة Booksie الأدبية .. تتويج لتجربة إنسانية عابرة للحدود
وقال الزعاك لـ" أس بي أس عربي" إنه فوجئ بخبر الفوز، موضحا أنه كان قد نشر القصيدة على موقع Booksie قبل أشهر، وشارك في المسابقة ثم نسي الأمر تمامًا، قبل أن يتلقى رسالة تهنئة من أحد الفائزين الأوائل.
وأشار إلى أن المفاجأة كانت مفرحة، لافتا إلى أن القصيدة لامست موضوعا إنسانيا مشتركا يتعلّق بمراحل العمر والتحوّل الداخلي، وهو ما جعلها، برأيه، قريبة من لجنة التحكيم والقراء على حد سواء.
وأوضح أن هذا التقدير من منصة أدبية أميركية يحمل دلالة خاصة، لأنه يكرّس فكرة أن التجربة الإنسانية، حين تُكتب بصدق، تتجاوز الجغرافيا واللغة.
العلم بوصفه سيرة .. والجامعة فضاء لبناء الأجيال
وفي حديثه عن مسيرته الأكاديمية، ذكر الزعاك أنه حصل على شهادة الدكتوراه في أستراليا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يعود إلى بغداد حاملاً مشروعًا واضحًا لنقل اختصاص الهندسة الوراثية إلى الجامعة.
وأوضح أنه بدأ بتأسيس المختبرات الحياتية في كلية العلوم، قبل أن ينجح لاحقا في إنشاء معهد الهندسة الوراثية للدراسات العليا في جامعة بغداد، الذي خرّج أعدادًا كبيرة من طلبة الماجستير والدكتوراه.
وأشار إلى أن سعادته الكبرى كانت في رؤية طلبته يتولّون مواقع علمية مؤثرة، مؤكدا أن نقل المعرفة النوعية كان جزءًا من مسؤوليته الأخلاقية قبل أن يكون إنجازا مهنيا.
ولفت إلى أنه أسّس لاحقًا مركزا بحثيا مختصا بالتشخيص الجنائي والعلوم العدلية، معتبرا أن تسليم المسؤولية لمن بعده يشبه "تسليم عصا السباق"، حيث تبدأ الركضة ولا تتوقف.
من التقاعد إلى الأدب .. حين يعود الشغف الأول
وأوضح الزعاك أن تقاعده المبكر شكّل نقطة تحوّل، سمحت له بالعودة إلى شغفه القديم بالتاريخ والأدب، مبينًا أن اهتمامه بالتاريخ رافقه منذ الطفولة، لكن الانشغال العلمي خلال التسعينيات أبعده مؤقتًا عن الكتابة.
وقال إنه بعد التقاعد عاد إلى الأدب "بطريقة شبه احترافية"، وبدأ يكتب ما يسميه "الرواية المعرفية"، وهي سرديات تمزج التاريخ بالخيال، وتعيد تقديم المعرفة خارج القالب الأكاديمي الصارم.
وأشار إلى أن الرواية، في كثير من الأحيان، قادرة على نقل التاريخ والأفكار بعمق يتجاوز الكتب العلمية، لأنها تخاطب الإنسان لا الذهن وحده.
العراق في النص .. سؤال مفتوح لا حنين فقط
وأكد الزعاك أن العراق حاضر بقوة في أعماله، من بابل إلى كركوك وإسطنبول، موضحًا أنه لا يكتب عن وطن مفقود بقدر ما يكتب عن سؤال مفتوح.
وقال إن كتبه ومجاميعه القصصية تستلهم التاريخ العراقي الحديث والبعيد، وشخصياته وتحولاته، من دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب السياسي.
وبيّن أنه يوازن بين الوثيقة والخيال عبر ما وصفه بـ"الخيال الخصب"، معتبرا أن الخيال ليس نقيضًا للعلم، بل أداة لفهمه وتوسيعه، سواء في المختبر أو في الكتابة.

الكتابة بالإنكليزية .. نقل الصوت إلى العالم
وقال الزعاك إنه اختار الكتابة بالإنكليزية لنقل الصوت العراقي إلى القارئ العالمي، بعيدًا عن السياسة المباشرة، مشيرا إلى أن الأدب العراقي المكتوب بالإنكليزية لا يزال محدود التأثير.
وأوضح أنه عاد لاحقًا إلى إعادة كتابة بعض أعماله بالعربية استجابة لطلبات الأصدقاء، مبينًا أن كونه المؤلف والمترجم في آن واحد منحه حرية أكبر في إعادة الصياغة والتعبير.
فكرة الجمعية الثقافية .. حماية الصوت من الذوبان
ولفت الزعاك إلى أنه طرح فكرة تأسيس جمعية للكتّاب العراقيين والعرب الذين يكتبون بالإنكليزية في أستراليا، موضحا أن الدافع الأساسي هو قلة التواصل بين هؤلاء الكتّاب وغياب إطار جامع لهم.
وأشار إلى أن الجمعية، في حال تأسيسها، يمكن أن تنشّط الحركة الثقافية وتخلق مساحات تفاعل وتبادل معرفي، خصوصًا بين الأجيال الجديدة.
نصيحة أخيرة .. اللغة جسر لا قطيعة
وخلص الزعاك في ختام حديثه إلى أنه يستلهم مساره من بيت للشاعر أدونيس يدعو إلى الابتكار واتساع الأفق، معتبرا أن الابتكار لا يقتصر على القصيدة، بل يشمل الحياة نفسها.
وخلص الى القول أن على الشاب العراقي أو العربي في المنفى أن يعرف ما يريد أولًا، وأن يتقن لغة البلد الذي يعيش فيه، من دون أن يفرّط بلغته الأم، لأنها تمثل تاريخه وجغرافيته والقاعدة التي يستند إليها.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.









