للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أدى الكشف عن ملايين الوثائق المرتبطة بفضيحة جيفري إبستين لصدمة مزدوجة لدى الرأي العام العالمي من حيث حجم الانتهاكات الإجرامية من جهة، وهول الصمت الذي حماها لسنوات من جهة أخر
الفضيحة هذه أثارت ، على امتداد فصولها، نقاشا عالميا واسعا حول حدود المساءلة، ودور الإعلام، ومسؤولية الدولة في حماية الضحايا، كما أعادت طرح أسئلة جوهرية عن طبيعة السلطة الحديثة وعلاقتها بالجسد والاستغلال والصمت المؤسسي ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود المحاكم بل خلفت عواصف سياسية
منذ نشر ملايين الوثائق المرتبطة بفضيحة جيفري إبستين، لم تعد القضية شأناً أميركياً داخلياً، بل تحولت إلى كرة نار سياسية وأخلاقية تتدحرج عبر العواصم الغربية.
تسريبات إبستين تهز معهد العالم العربي في باريس وتجبر رئيسه جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق على التنحي ، فيما اكتفت ولية عهد النرويج ميته ماريت بالاعتذار بسبب رسائل ابستين بينما يحاكم ابنها بالاغتصاب، في حين اطاحت الوثائق بسفيرة بلادها بالأردن والعراق
زلزال سياسي في بريطانيا
في بريطانيا، تسببت أحدث التسريبات بعاصفة سياسية داخل حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، واولى تداعياتها استقالة اثنين من كبار مساعدي ستارمر وهما رئيس قسم الاتصالات تيم آلان ورئيس ديوانه مورغان ماكسويني وذلك احتجاجا على تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة والذي كان قد شارك وثائق حكومية مع إبستين أثناء توليه منصب وزير في الحكومة.

الانتقادات لم تتوقف عند المعارضة، بل جاءت من داخل حزب العمال نفسه، حيث دعا زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس سروار رئيس الوزراء إلى تحمّل المسؤولية السياسية.
وقال إن "القيادة في داونينغ ستريت أصبحت مصدر إلهاء كبير…هناك ثقافة من السرية والتستر، وعندما أرى فشلاً، لا بد أن أكون صريحاً حياله"
في المقابل، حمّلت زعيمة المعارضة البريطانية كيمي بادينوك رئيس الوزراء المسؤولية المباشرة، معتبرة أن ما يجري هو نتيجة قراراته وحده.
وقالت إن "رئيس الوزراء هو مهندس مصائبه بنفسه… وكل هذا الاضطراب سياسي من صنعه".
لكن تداعيات ملفات إبستين لم تقف عند حدود السياسة الحزبية، بل وصلت إلى قلب المؤسسة الملكية، بعد إعادة تسليط الضوء على علاقة الأمير السابق الأمير أندرو بالممول المدان.
شرطة وادي التايمز أعلنت أنها تقيّم معلومات جديدة، فيما أصدر قصر باكنغهام بياناً غيرُ معتادٍ في لهجته.
وقال فيه إن "الملك عبّر بوضوح عن قلقه العميق إزاء الادعاءات التي لا تزال تظهر…وإذا طُلب منا دعم الشرطة، فنحن مستعدون لذلك".
فيما أعلنت مؤسسة سارة فيرغسون الخيرية، الخاصة بالزوجة السابقة للأمير السابق أندرو ، إغلاق أبوابها بعد أيام من ظهور معلومات جديدة بشأن علاقة الدوقة السابقة بجيفري إبستين
لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي، بل اختبارا أخلاقيا قاسيا لمؤسسات العدالة، والسياسة، والإعلام في الغرب.
وفي قلب هذه القصة المظلمة، برز اسمان نسائيان… كلٌّ منهما وقفت في موقع نقيض للآخر.
ماكسويل .. مناورة قانونية للحصول على عفو رئاسي
الاولى هي غيلين ماكسويل .. مساومة للنجاة من تحت الركام والثانية هي غلين ماكسويل صحافية استقصائية فضحت انحراف العدالة
وبعد أن انفجرت الفضيحة كقنبلة عنقودية، لم تعد غيليين ماكسويل مجرد شريكة في الظل، بل جزءا مكشوفا من منظومة استغلال جنسي استمرت لسنوات.

ماكسويل، التي تقضي اليوم حكما بالسجن لمدة عشرين عاما، ترفض الإدلاء بشهادتها أمام الكونغرس الأميركي، متذرعةً بالتعديل الخامس للدستور،
ورهنت حديثها بعفو رئاسي محتمل من الرئيس الأميركي ، وفي كل ظهور جديد، تحاول ماكسويل إعادة رسم دورها ؛ شاهدة لا متهمة، ضحية علاقة لا شريكة جريمة، وهذا ما تطلبه .
وخلال جلسة الاستماع المغلقة، صرّح محامي ماكسويل، ديفيد أوسكار ماركوس، بأن "ماكسويل مستعدة للتحدث بشكل كامل وصادق إذا منحها الرئيس ترامب العفو".
فيما يؤكد رئيس لجنة الرقابة بمجلس النواب، جيمس كومر، إنه لا يعتقد أنها تستحق العفو.
المحامية سيغريد مكولي التي مثلت عددا من الناجيات من شبكة إبستين اعتبرت أن هذا الرفض لا يطيل التحقيق فقط، بل يعيد فتح جراح لم تُغلق يوماً.
وقالت ان "هذه أطول عملية اتجار جنسي في تاريخ الولايات المتحدة… والسؤال الذي سيبقى: كيف سُمح لكل هذا أن يستمر؟ وكيف لم يقل أحد: هذا خطأ؟".
في الكونغرس، أكدت النائبة الديمقراطية جاسمين كروكيت أن التحقيق لن يتوقف، رغم محاولات التعطيل والمناورة القانونية.
وقالت "لن نُردع، ولن نتشتت… نعرف من يجب محاسبته، وسنواصل الحفر".
اما الرئيس الاميركي الأسبق بيل كلينتون فيدعو إلى جلسة استماع علنية للإدلاء بشهادته
ووسط هذا الضجيج السياسي والقانوني، يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً: من الذي كسر الصمت أولاً؟
لكن الأسئلة الجوهرية لا تزال معلّقة وبيد ماكسويل الاجابات كما يؤكد ضحايا ابستين: كيف استمرت هذه الشبكة؟ ومن حماها؟ ومن صمت؟
جولي براون… امرأة في مواجهة منظومة
على الطرف المقابل من القصة، تقف امرأة أخرى، لا في قفص الاتهام بل في واجهة الصحافة التي لم تخف انها جولي براون الصحفية الاستقصائية في Miami Herald، هيرالد ميامي والتي أعادت نبش ملف إبستين بين عامي ألفين وثمانية عشر وألفين وتسعة عشر، بعد أكثر من خمسة عشر عاما من التستر القضائي والإعلامي.

براون قرأت ودقّقت ما يقارب عشرة آلاف وثيقة رسمية، من محاضر محاكم وملفات شرطة، وقابلت نحو ستين ضحية، وأعادت للضحايا أسماءهم، وأصواتهم، وحقهم في الظهور.
سلسلتها الشهيرة "انحراف العدالة" لم تكن تحقيقا صحفيا فقط، بل اتهاما صريحا لنظام قانوني سمح لرجل واحد، بثروته ونفوذه، أن يفلت من العقاب، وأن يُحوّل العدالة إلى إجراء شكلي.
قبلها، حاولت صحفية أخرى، فيكي وارد، في عام ألفين وثلاثة، لكن شهادات الضحايا قُصّت تحت التهديد، وساد الصمت. أما جولي براون… فلم تتراجع.
واجهت التهديدات، والنفوذ، والمحامين، وقادت تحقيقاتها الصحفية إبستين إلى زنزانته ، اذ كان لعملها أثر مباشر في اعتقاله عام ألفين وتسعة عشر، ثم في توقيف شريكته ماكسويل، وفي إطلاق النقاش العالمي الذي لا يزال مستمرا اليوم حول أخلاقيات القضاء، وسلطة المال، وحماية القاصرات
اليوم ما بين المرأتين تتعرّ ى المنظومة ، بين امرأة تسعى للافلات (النجاة) من تحت أنقاض الفضيحة، وامرأة أخرى أصرت على تفجيرها، تتجلى الحقيقة الأعمق في قصة إبستين: أن الفضيحة لم تكن في الجريمة وحدها بل في الصمت الذي حماها، وفي المؤسسات التي فشلت، وفي العدالة التي انحرفت.
وإذا كان لإرث إبستين جانب مظلم لا يزال يتسع، فإن جولي براون تمثّل الجانب المضيء النادر، والدليل على أن الصحافة، حين تتحرر من الخوف، قادرة على ان تذكرنا بان الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت .
إذا كنتَ أنت أو أيّ شخص تعرفه بحاجة إلى المساعدة أو يرغب بالتحدث عن اعتداء جنسي أو تحرش أو عنف أسري أو منزلي، يرجى الاتصال بخدمة 1800RESPECT
على الرقم 1800 737 732 أو زيارة الموقع: 1800RESPECT.org.au.
وفي حالات الطوارئ، يُرجى الاتصال بالرقم 000.
شارك في اعداد هذا التقرير أنجيليكا ويت لقسم الأخبار في SBS، و محمد الغزي لبودكاست وراء الخبر في SBS عربي.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.



