تقف غرينلاند على مفترق طرق بين النفوذ الأميركي والأوروبي، بين السيادة الوطنية والأطماع الاستراتيجية، بين الجليد والاقتصاد العالمي، لتكون إحدى أبرز الملفات الساخنة في السياسة الدولية خلال العقد القادم.
عاد اسم غرينلاند إلى واجهة الجدل الدولي مع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته على طرح سيناريوهات غير مسبوقة، تتراوح بين شراء الجزيرة أو حتى استخدام القوة العسكرية للسيطرة عليها. خطوة أعادت إلى الأذهان منطق "أميركا أولًا" ومبدأ مونرو بصيغة القرن الحادي والعشرين، وفتحت باب تساؤلات واسعة حول مستقبل التحالفات الغربية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي. هكذا، تبدو غرينلاند اليوم أكثر من مجرد جزيرة جليدية نائية.
الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي لن تكون موضع تشكيك مرة أخرى. هذا تطبيق العقيدة " مونرو"، والتي بات من الممكن تسميتها اليوم بعقيدة "دون - رو" نسبة الى دونالد ترامب الذي أكد جارة "نحن بحاجة لغرينلاند".
البيت الأبيض لم يُخفِ دوافعه. ففي بيان رسمي، أكد أن غرينلاند "حيوية للأمن القومي الأميركي"، وأن الرئيس وفريقه "يدرسون مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف"، مضيفًا أن "استخدام الجيش الأميركي يبقى خيارًا متاحًا للقائد الأعلى". تصريحات جاءت بعد العملية الأميركية في فنزويلا، ما زاد المخاوف الأوروبية من أن تكون غرينلاند المحطة التالية في سياسة فرض الوقائع بالقوة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت:
"كان الرئيس منفتحًا وواضحًا جدًا معكم جميعًا ومع العالم، إذ يرى أن من مصلحة الولايات المتحدة ردع أي عدوان روسي أو صيني في منطقة القطب الشمالي. ولهذا السبب يناقش فريقه حاليًا ما قد تبدو عليه عملية شراء محتملة".
وأضاف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة تسعى لشراء الجزيرة، مؤكدًا أن التصريحات الأخيرة لا يجب تفسيرها على أنها إشارة لغزو عسكري.
الأهمية الاستراتيجية للجزيرة
غرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي، لا يتجاوز عدد سكانه 57 ألف نسمة، لكنه يحتل موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي. ويغطي الجليد نحو 80 في المئة من مساحته، إلا أن ذوبان الجليد المتسارع جعل منه عقدة استراتيجية جديدة في طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.
تشير التحليلات إلى أن أهمية غرينلاند لا تنفصل عن التحولات الجيوسياسية في القطب الشمالي. يقول الباحث في جامعة سيدني ستيوارت رولّو:
"الولايات المتحدة استخدمت غرينلاند منذ الحرب الباردة كمنصة عسكرية متقدمة لمراقبة التحركات الروسية، وكقاعدة للتزود بالوقود والدفاع الصاروخي في حال وقوع هجوم نووي محتمل. ومع فتح طرق ملاحية جديدة بفعل ذوبان الجليد، تزداد قيمة الجزيرة كممر حاكم للتجارة العالمية".
وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، عززت واشنطن هذا التوجه بإصدار استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعادت إحياء مبدأ مونرو، مؤكدة أنها ستمنع أي قوى خارج الإقليم، مثل الصين وروسيا، من امتلاك أو السيطرة على أصول استراتيجية في نصف الكرة الغربي.
رد أوروبا وحلف الناتو
قوبل هذا الطموح الأميركي برد أوروبي حازم. فقد أصدر قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والدنمارك بيانًا مشتركًا شددوا فيه على أن أمن القطب الشمالي يجب أن يتحقق عبر الناتو، مؤكدين:
"غرينلاند تعود لشعبها، والقرار بشأنها يخص الدنمارك وغرينلاند وحدهما".
ورأت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن أن أي عدوان عسكري على دولة عضو في الناتو قد يؤدي إلى انهيار منظومة الأمن القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، محذرة:
"إذا هاجم الأميركيون دولة في الناتو فسينتهي كل شيء… يجب أخذ الرئيس الأميركي على محمل الجد عندما يقول إنه يريد غرينلاند".
مخاوف السكان والاعتبارات الأميركية
ورغم ذلك، يرى رولّو أن واشنطن قد تسعى إلى تقليص اعتمادها على الناتو من خلال تعزيز سيطرتها المباشرة على غرينلاند، خاصة أنها تمتلك بالفعل قاعدة بيتوفيك الفضائية هناك. ومن منظور الولايات المتحدة، السيطرة على الجزيرة لا تعني فقط تحجيم روسيا، بل قطع الطريق أمام أي تقارب مستقبلي محتمل بين أوروبا وروسيا والصين، الذي قد يهدد الهيمنة الأميركية على طرق الملاحة العالمية.
أتى رد الاتحاد الأوروبي حازمًا أيضًا، حيث قالت المتحدثة باسم السياسة الخارجية والأمنية أنيتا هيبر:
"سيواصل الاتحاد الأوروبي التمسك بمبادئ السيادة الوطنية، والسلامة الإقليمية، وحرمة الحدود، وميثاق الأمم المتحدة".
كما صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر:
"مستقبل غرينلاند ملك لغرينلاند ومملكة الدنمارك، ولغرينلاند ومستقبل الدنمارك فقط».
ويضيف راسموس سيندينغ سوندرغارد من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية:
"في حال غزو عسكري أمريكي لغرينلاند، وهو أمر أراه مستبعدًا حتى الآن، فإن حلف الناتو سينهار فعليًا. فإذا هاجم أحد الأعضاء عضوًا آخر، فلا وجود للحلف".
تبدو غرينلاند اليوم أكثر من مجرد جزيرة جليدية نائية؛ فهي نقطة تقاطع بين الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ العالمي، بين من يراها جزءًا من السيادة الدنماركية التي لا تُمس، ومن يعتبرها مفتاح السيطرة على نصف الكرة الغربي.
كيف يقرأ مراسل اس بي اس من الولايات المتحدة الامريكية محمد السطوحي النهم الأمريكي تجاه غرينلاند؟
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.وعلى القناة 304 التلفزيونية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.












