لم يعد التصعيد الأميركي حيال غرينلاند مجرّد خلاف دبلوماسي عابر أو سجال سياسي موسمي، بل بات يتكشف تدريجياً بوصفه صراعاً اقتصادياً – جيواستراتيجياً عميق الجذور، تحرّكه ثروات الجزيرة المخبأة تحت الجليد، وتسارُع التحولات في الاقتصاد العالمي، ولا سيما سباق التحول الأخضر والتحكم بسلاسل توريد المواد الخام الحيوية.
في قلب هذا المشهد، تتقاطع اعتبارات الأمن القومي الأميركي مع مصالح دوائر مالية واقتصادية قريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في نموذج فاضح لتآكل الحدود بين القرار السياسي ورأس المال، حيث تختلط الاستراتيجيات الكبرى بحسابات الربح والنفوذ.
ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، فجّر إعلان ترامب عن إمكانية ضم غرينلاند، إلى جانب التلويح بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، موجة رفض واسعة داخل أوروبا، أعادت طرح أسئلة صريحة حول تماسكها ووحدتها، في وقت يواجه فيه حلف شمال الأطلسي أزمة غير مسبوقة منذ تأسيسه قبل سبعة وسبعين عاماً.

America tus coj Donald Trump xav yuav teb chaws Denmark lub pov txwv Greenland -The Feed Source: SBS / The Feed
ترامب يخلط الأمن بالصفقات
وإذا ما نجح ترامب في تحقيق مسعاه، فسيكون ذلك أكبر استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، متجاوزاً حتى صفقة وزير الخارجية الأميركي الأسبق ويليام سيوارد قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً، حين اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا عام ألف وثمانمئة وسبعة وستين مقابل ما يعادل سنتين تقريباً لكل فدان.
وبدلاً من البحث عن تسوية دبلوماسية، عاد ترامب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وذهب أبعد من ذلك حين ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بحرمانه من جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد مضطراً إلى التفكير بـ"السلام حصراً" لتحقيق أهدافه. وفي رسالة خطية وجّهها إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، كتب "بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام رغم جهودي في وقف أكثر من ثماني حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام فقط، مع أنه سيظل دائماً الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة".
وفي السياق نفسه، كرر ترامب اتهام الدنمارك بالعجز عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين، متسائلاً بلهجة استنكارية "لماذا لديهم حق الملكية أصلاً؟". وأضاف "لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضا". وخلص إلى اعتبار أن "العالم لن يكون آمناً ما لم نُحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند".
من جزيرة جليد إلى ساحة صراع
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما هي غرينلاند حتى تتحول، خلال أيام قليلة، من واحدة من أبرد بقاع الأرض إلى إحدى أكثر النقاط سخونةً على الخريطة السياسية لكوكب يتغيّر بوتيرة متسارعة؟
غرينلاند ليست مجرد جزيرة مغطاة بالثلج في أقصى شمال العالم إنها اليوم ساحة المعركة القادمة بين القوى العظمى.
يطلق عليها سكانها اسم "إنويت نونات" أو "كالاليت نونات"، وهي عبارة باللغة المحلية تعني "أرض الناس"، ويطلقون على عاصمتها نوك اسم "غود ثوب".
عدد سكانها لا يتجاوز ستةً وخمسين ألف نسمة، أي ما يعادل جمهور مباراة كرة قدم في ملعب متوسط.
وتبلغ مساحتها مليونين ومئة وستةً وستين ألفًا وستةً وثمانين كيلومترًا مربعًا، ويبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب ألفين وستمئة وسبعين كيلومترًا، ومن الشرق إلى الغرب ألفًا وخمسين كيلومترًا.
ويغطي غرينلاند ثاني أكبر غطاء جليدي في العالم بعد القارة القطبية الجنوبية، بمساحة تزيد على مليون وسبعمئة ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل تسعةً وسبعين في المئة من مساحة الجزيرة.
وتحتوي غرينلاند على نحو مليونين وثمانمئة وخمسين ألف كيلومتر مكعب من الجليد، وهو ما يعادل قرابة سبعة في المئة من إجمالي المياه العذبة في العالم.
: Melting at the Greenland Ice Sheet in 2011 Source: AAP
المعادن النادرة: نفط القرن الجديد
لكن هذه الجزيرة، التي تبدو هامشية على خرائط السكان، باتت في قلب خرائط الصراع العالمي، لأن ما تحت جليدها ليس صمتا أبيض… بل كنوز مدفونة تعيد تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين.
تحت الغطاء الجليدي الهائل، تختزن غرينلاند اليورانيوم، والذهب، والزنك، ومعادن استراتيجية.
لكن الأهم هو نفط المستقبل: المعادن النادرة والحرجة التي تقوم عليها كل تكنولوجيا حياتنا الحديثة، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، ومن أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى طائرات إف–خمسة وثلاثين والصواريخ المتطورة.
هنا، يصبح الصراع واضحا. فالولايات المتحدة لن تقبل بأن تسيطر الصين أو روسيا على هذا المخزون،
لأن من يملك هذه المعادن لا يملك الأرض فقط، بل يملك عصب التكنولوجيا العالمية، ويملك القدرة على خنق خصومه اقتصاديًا وعسكريًا دون إطلاق رصاصة واحدة.
ذوبان الجليد يفتح طرق التجارة
لكن الصدمة الثانية أكبر. غرينلاند ليست مجرد خزان معادن، بل ممرا مائيا جديدًا قيد التشكل.
ذوبان الجليد، الناتج عن التغير المناخي، لا يعني كارثة بيئية فحسب، بل فتح طرق بحرية جديدة قد تغيّر خريطة التجارة العالمية.
ممرات تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية، وتحوّل القطب الشمالي إلى قناة السويس المستقبل.
وهنا، خرجت غرينلاند من عزلتها الجغرافية، ودخلت دفاتر الاستراتيجيات الكبرى، لا بوصفها جزيرة، بل بوصفها عقدة عبور ومفصلًا اقتصاديًا سيحدّد من يربح ومن يخسر في النظام العالمي الجديد.
جغرافيا، تقع غرينلاند بين أميركا الشمالية وأوروبا، وهي أكبر جزيرة في العالم،
وتخضع إداريا للتاج الدنماركي، مع حكم ذاتي واسع.
لكن هذا الموقع جعلها، منذ الحرب الباردة، نقطة مراقبة متقدمة في قلب القطب الشمالي.
خلال عقود طويلة، بدت غرينلاند وكأنها خارج الزمن السياسي.
الجليد كثيف، السكان قليلون، والاقتصاد محدود.
غير أن تغيّر المناخ قلب المعادلة رأسًا على عقب، فذابت الجغرافيا وتصلّبت السياسة.
حاملة طائرات ثابتة لا تغرق
اليوم، تنظر الولايات المتحدة إلى غرينلاند بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة روسيا والصين.
يراها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حاملة طائرات ثابتة لا تغرق،
وقاعدة متقدمة للسيطرة على الممرات القطبية، ومفتاحًا لحماية مصالح حلف شمال الأطلسي.
روسيا، في المقابل، ترى غرينلاند جزءا من صراع السيطرة على القطب الشمالي،
وتوسّع وجودها العسكري هناك بهدوء بارد.
أما الصين، فتتعامل معها كحلقة أساسية في مشروع "طريق الحرير القطبي"، حيث التجارة والتكنولوجيا والنفوذ طويل الأمد.

NUUK, GREENLAND - JANUARY 17: People hold Greenlandic flags and placards as they gather by the United States Consulate to march in protest against U.S. President Donald Trump and his announced intent to acquire Greenland on January 17, 2026 in Nuuk, Greenland. Credit: Sean Gallup/Getty Images
بصوت هو الأضعف في المعادلة، بين وعود التنمية والاستثمار، ومخاوف تدمير البيئة، وفقدان السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي.
غرينلاند لا تواجه فقط سؤال الاستقلال عن الدنمارك، بل سؤالًا أخطر: هل يمكن لجزيرة صغيرة سكانيا أن تحمي قرارها في لعبة أمم كبرى؟ وحين تتحوّل الجغرافيا إلى سياسة، فإن الصراع لا يكون على الأرض فقط .. بل على المستقبل.





