تقف رودريغيز التي وصفت "لبؤة مادورو" من قبل الرئيس السابق، في اختبار حقيقي لقيادة البلاد في أصعب لحظة تاريخية لها بين الولاء لإرث مادورو الثوري وقيَم الثورة البوليفارية، وبين الضغوط الدولية واستعدادها المفاجئ للتعاون مع الولايات المتحدة. كيف تقود القائدة اليسارية وطنها حين تتصادم المبادئ مع ارض الممكن، والتاريخ مع الجغرافيا السياسية؟ وهل هي مستعدة لمواجهة مصير "أسوأ من مادورو" ما لم تولي الطاعة لسيّد البيت الأبيض؟
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
في لحظة سياسية شديدة الحساسية من تاريخ فنزويلا، عادت ديلسي رودريغيز لتُظهر قدرًا من الليونة والبراغماتية، فاتحةً باب التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية بعد الهجوم الأميركي واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، في تطور منح واشنطن عمليًا الكلمة الفصل في المرحلة المقبلة. هذا التحوّل يضع رودريغيز عند مفترق طرق تاريخي، بين إرث ثوري ثقيل وواقع جيوسياسي ضاغط.
ديلسي رودريغيز ليست اسمًا عابرًا في السياسة الفنزويلية. هي ابنة عائلة ثورية، وُلدت في بيتٍ صاغته المأساة والنضال، إذ كان اغتيال والدها خورخي أنطونيو رودريغيز، المقاتل اليساري الذي قُتل على يد السلطات عام 1976، دافعًا أساسيًا لها لدراسة القانون والانخراط في العمل السياسي مدفوعة بروح الثورة البوليفارية. شقّت طريقها مع حكومة هوغو تشافيز، وتدرّجت في مناصب مفصلية من وزارة الاتصالات والإعلام، إلى وزارة الاقتصاد، ثم وزارة الخارجية، وصولًا إلى منصب نائبة الرئيس التنفيذي ووزيرة المحروقات. كما ترأست الجمعية الوطنية التأسيسية المثيرة للجدل، ومثّلت الحكومة في ملفات دولية حساسة شملت تركيا والصين وإيران، لتصبح شخصية محورية في السياسة الداخلية والخارجية، رغم العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها وعلى شقيقها خورخي رودريغيز.
ورغم تمسّكها المعلن بالموقف الوطني الرافض لأي تدخل خارجي، فإن موقفها الحالي يضعها أمام اختبار حقيقي لقيادتها البلاد في لحظة حرجة.
حول هذا التحدي الأصعب يقول الأكاديمي والباحث السياسي المتخصص في إدارة الأزمات الدولية الدكتور إسحاق أندكيان من واشنطن إن رودريغيز "في وضع لا تُحسد عليه إطلاقًا، لأنها انتقلت بين ليلة وضحاها من المقعد الخلفي إلى واجهة قيادة البلاد". ويضيف أن توليها إدارة الدولة من موقعها كنائبة للرئيس يفرض عليها "محاولة حفظ التوازن بين اللغة الكلاسيكية للثورة البوليفارية واليسار الفنزويلي من جهة، والتعاطي بواقعية سياسية من جهة أخرى".
ويشير أندكيان إلى أن رودريغيز ليست طارئة على الحياة السياسية، لكنها تواجه وضعًا مستجدًا كرئيسة غير منتخبة تحاول سدّ الفراغ الذي خلّفه اعتقال مادورو، واصفًا المهمة بأنها "شاقة جدًا"، لا سيما في ظل تهديدات مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال لها صراحة إنها "قد تواجه مصير مادورو نفسه إذا لم تغيّر مقاربتها للأمور في فنزويلا".
حول موقف الشارع الفنزويلي، يلفت أندكيان إلى أن "ليس كل الشعب الفنزويلي قد تربّى على معاداة الولايات المتحدة"، مشددًا على أن قطاعات واسعة ترزح تحت خط الفقر وتعيش أزمة معيشية خانقة. وبرأيه، فإن تحسين الأوضاع الاقتصادية سيكون العامل الحاسم في تحديد موقف الناس، موضحًا أن "الشعب عندما يعاني اقتصاديًا، يكون همه الأساسي تأمين احتياجاته اليومية، وإذا لمس تحسنًا فعليًا، فلن يحمّل ديلسي رودريغيز تبعات اعتقال مادورو على المدى المتوسط".
أما عن تأثير أي تقارب مع واشنطن على علاقات فنزويلا بحلفائها التقليديين مثل كوبا وإيران، يرى أندكيان أن التماهي مع المطالب الأميركية سينعكس سلبًا على صورتها داخليًا وخارجيًا، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا:
"ماذا فعلت كوبا وإيران وروسيا والصين لفنزويلا بعد اعتقال مادورو؟".
يضيف أن مواقف هذه الدول لم تتجاوز البيانات والتنديد، من دون ترجمة فعلية على الأرض، معتبرًا أن رودريغيز "تسعى لإنقاذ بلدها بغض النظر عن نظرة الحلفاء المفترضين لخطواتها"، وأن التحالف الأيديولوجي الذي كان قائمًا «مرشح للتزعزع في المرحلة المقبلة".
وفي مواجهة تهديد ترامب بأن رودريغيز قد تواجه "مصيرًا أسوأ من مادورو" إن لم تتعاون، يرى أندكيان أنها تحاول التمسك رسميًا بخطاب مادورو، مؤكدة أن الرئيس المعتقل ما زال "الرئيس الشرعي"، ومشددة على مفهوم سيادة الدولة ورفض خرق القانون الدولي. لكنه يلفت إلى أن الواقع بات مختلفًا، إذ إن مادورو معتقل وسيُحاكم أمام محكمة فدرالية في نيويورك، ما يفرض عليها "التصالح مع الأمر الواقع"، في ظل خيارات محدودة.
ويختم أندكيان بالإشارة إلى أن ما يجري ينسجم مع استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2026 التي أطلقها ترامب، معتبرًا أن واشنطن "تنفّذ بحذافيرها ملحق مبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي»، وأن القرار اتُّخذ على أعلى المستويات، وما على الآخرين إلا محاولة "تخفيف الأضرار" بدل تحدي إرادة الإدارة الأميركية الجديدة.
هكذا تقف ديلسي رودريغيز اليوم بين خطاب الثورة وضرورات الواقع، في معادلة دقيقة ستحدد ليس فقط مستقبلها السياسي، بل مسار فنزويلا بأكمله في مرحلة ما بعد مادورو ولكن ما الثمن الذي ستدفعه اذا وكيف ستحافظ على مصداقيتها لدى الشعب "الأغنى فقرًا" في وجه الامبريالية ونهمها بأرض الاحتياطي الأكبر للنفط؟
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.وعلى القناة 304 التلفزيونية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




