خلال الأسابيع الماضية، بدا رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي أقل تشدداً في رفضه السابق لتشكيل لجنة تحقيق ملكية، وهو موقف قرأه مراقبون على أنه انعكاس لضغوط متزايدة من أهالي الضحايا، ومن قطاعات واسعة في المجتمع، إضافة إلى المعارضة الائتلافية وحتى أصوات من داخل حزب العمال نفسه. ورغم تمسك ألبانيزي علناً بأولوية “الإجراءات العاجلة” ومراجعة أداء أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون، إلا أن لغته السياسية حملت إشارات واضحة إلى احتمال فتح الباب أمام تحقيق وطني شامل، بالتعاون بين الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات.
في هذا السياق، يلفت الصحافي الأسترالي اللبناني سركيس كرم إلى أن التردد في اتخاذ قرارات حاسمة ليس وليد اللحظة: "حتى قبل هجوم بونداي، كان هناك تردد واضح لدى الحكومة في التعاطي مع خطاب الكراهية، وفي اتخاذ موقف صارم تجاه التصعيد الذي كانت تشهده الساحة الداخلية."
ويضيف أن الاكتفاء بمراجعة أمنية محدودة قد يكون خطوة أولى، لكنها غير كافية لمعالجة جذور المشكلة، موضحاً أن "اللجنة الملكية تختلف جذرياً، لأنها لا تكتفي بالأمن والاستخبارات، بل تفتح ملفات الهجرة، وسياسات الاندماج، وخطاب الكراهية بكل أشكاله".
ويشير كرم إلى أن الرأي العام الأسترالي يميل بقوة نحو خيار التحقيق الشامل، لا بدافع الانتقام، بل بدافع الفهم والمساءلة، قائلاً:
الناس تريد أن تعرف كيف أمكن للمهاجمين التحرك وإطلاق النار لمدة طويلة في مكان مفتوح، وأين كانت الاستجابة الأمنية في تلك اللحظات الحاسمة
سياسياً، تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، إذ تُظهر استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظاً في شعبية الحكومة، إلى جانب تحولات في المزاج الانتخابي تصبّ في مصلحة الأحزاب الصغيرة والتيارات المتطرفة. ويحذر كرم من أن غياب الحسم قد يدفع شرائح من المجتمع إلى خيارات أكثر راديكالية.
عندما يشعر الناس بأن الدولة مترددة في حمايتهم، فإنهم يميلون إلى البحث عن بدائل، حتى لو كانت متطرفة
أما على مستوى الأمن والحريات العامة، فقد أثار تمديد قيود التظاهر في نيو ساوث ويلز جدلاً واسعاً حول حدود حرية التعبير. إلا أن كرم يرى في هذه الخطوة إجراءً مؤقتاً مبرراً، موضحاً: «جريمة بونداي غيّرت وجه أستراليا. لم نعد في بلد يمكنه تجاهل المخاطر الأمنية في التجمعات الكبرى. الهدف من هذه القيود ليس قمع الرأي، بل منع الانزلاق إلى صدامات في الشوارع قد تجرّ البلاد إلى فوضى لا تُحمد عقباها».
ويختم كرم بالتشديد على أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الأسترالية يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الأمن والحرية، وبين الحزم السياسي والحفاظ على التماسك المجتمعي. فإما أن تُتخذ قرارات واضحة تعالج الأسباب العميقة للتطرف وخطاب الكراهية، أو يستمر التردد بما يحمله من مخاطر سياسية واجتماعية قد تعيد رسم المشهد الأسترالي لسنوات طويلة مقبلة.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
هل أعجبكم المقال؟ استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل و أندرويد وعلى SBS On Demand.










