للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
لكل إنسان قصة، وبعض القصص لا تُروى لأنها جميلة، بل لأنها حقيقية… موجعة، ومُلهمة في آنٍ معًا.
هذه قصة سارة، امرأة لم يكسرها الزمن، ولم تهزمها الحروب، ولم تطفئ النار التي اشتعلت في حياتها ذات يوم حلمها بالحياة.
كانت سارة طبيبة عراقية شابة، زوجة وأمًا في مقتبل العمر، تعيش بين الدراسة والعمل وبناء الأسرة. تخرّجت من كلية الطب في أوائل الألفية، وفي خضم الظروف الصعبة التي عاشها العراق بعد عام 2003، انتقلت مع عائلتها إلى الأردن، حيث تزوجت هناك ورُزقت بطفلين: جنات وعبد الرحمن.
لكن الحياة كانت تُخبئ منعطفًا قاسيًا.
لحظة غيّرت كل شيء
أثناء عودة العائلة إلى بغداد لإنهاء بعض المعاملات التجارية، تعرضت سيارتهم لإطلاق نار في أحد شوارع العاصمة. أُصيبت سارة إصابة خطيرة في بطنها، بينما فقدت زوجها في الحادث.
كانت الصدمة مضاعفة: جسد مُنهك على سرير المستشفى، وقلب لا يعرف الحقيقة كاملة. لأكثر من عام، عاشت سارة بين الألم والعلاج، دون أن تعلم يقينًا أن شريك حياتها قد رحل.
وعندما عرفت الحقيقة، لم يكن الفقد مجرد حزن، بل انهيار عالم كامل. أرملة في العشرينات، وأم لطفلة بعمر السنة، ورضيع لم يُكمل أربعين يومًا.
أمٌّ بوجهين: الأم والأب
اختارت سارة، رغم الألم، أن تقف.
لم تسمح لنفسها بالانكسار، لأن هناك عينين صغيرتين تنظران إليها كل يوم بحثًا عن الأمان.
كبرت جنات وهي تسأل عن والدها. كانت تكتب له رسائل وتضعها تحت وسادتها، تطلب أشياء بسيطة كما يفعل الأطفال. كانت سارة تقرأ الرسائل، تحتفظ بها، وتُنفّذ الطلبات، وتقول لابنتها:
«بابا شافك ولبّى طلبك».
لم تكن تكذب… كانت تحمي طفولتها.
قرار الهجرة: بحثًا عن الأمان
بعد فقدان الأمن، كان لا بد من قرار مصيري. اختارت سارة الهجرة إلى أستراليا، لا هروبًا من الماضي، بل بحثًا عن مستقبل آمن لطفليها.
عام 2009 وصلت إلى سيدني، وحيدة، تحمل طفلين، وشهادة طب، وذكريات ثقيلة.
اللغة جديدة، النظام مختلف، والشعور بالضياع كان حاضرًا بقوة.
تتذكر أيامًا دفعت فيها عربة الأطفال وهي تبكي، تحمل أوراقها، وتفكر:
«من أين أبدأ؟».
من الطب إلى التمريض… ثم إلى عالم التجميل
لم يكن معادلة شهادة الطب أمرًا سهلًا في ظل مسؤولية طفلين. اختارت طريقًا أسرع وأكثر واقعية: دراسة التمريض، ثم العمل في مجال التجميل الطبي.
هناك وجدت نفسها من جديد.
لم يكن التجميل بالنسبة لها مجرد مهنة، بل شغف:
«أحب أن أُجمّل الأشياء… وأُعيد للوجوه ثقتها».
تخصصت في الإجراءات التجميلية، وأسست اسمًا لها في هذا المجال، حتى أصبحت سيدة أعمال ناجحة، تصنع الجمال لأنها تعرف تمامًا معنى الألم.
جنات وعبد الرحمن: ثمار الرحلة
اليوم، جنات شابة في الثامنة عشرة من عمرها، ناجحة، واعية، وتخطو أولى خطواتها الأكاديمية، بل وتطمح لأن تسير على خطى والدتها في مجال التجميل.
أما عبد الرحمن، الطفل الذي فقد والده بعمر أربعين يومًا، فقد انضم إلى الكاديت في الجيش الأسترالي.
تقول سارة إنها كانت تخشى أن يكبر بلا قدوة ذكورية، فحرصت أن تربيه على الانضباط، والمسؤولية، والانتماء للمجتمع الذي احتضنهما.
أمام المرآة
بعد ثمانية عشر عامًا من الرحلة، تقف سارة أمام المرآة وتقول:
"أنا فخورة بنفسي… وفخورة بأولادي".
وتوجّه رسالتها لكل امرأة:
"لا تنكسري. من الألم نصنع القوة، ومن الخسارة نخلق حياة".
رسالة أخيرة
ولو كان زوجها يسمعها اليوم، تقول له:
«كنت قدّ الأمانة. أولادك بخير، ناجحون، وفي بلد آمن. أديت رسالتي على أكمل وجه… وأتمنى أن تكون راضيًا عني».
هذه ليست مجرد قصة فقط…
إنها قصة امرأة صنعت الأمل، وربّت الحياة من بين الركام.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.









