قصة فادي عيد واحدة من تلك القصص التي تختصر رحلة الهجرة بكل ما تحمله من خوفٍ وخسارةٍ وأمل.
حياة مستقرة… قبل أن تنقلب المعادلة
قبل عام 2012، كانت حياة فادي في سوريا تسير بوتيرة طبيعية. شاب درس المحاسبة، يعمل في القطاع المصرفي، ومستقبله يبدو واضح المعالم. لم يكن في حساباته أن يغادر بلده، ولا أن يعيش تجربة اللجوء بكل تعقيداتها.
لكن مع اندلاع الأحداث وتدهور الأوضاع الأمنية، تغيّر كل شيء. أصبح البقاء مستحيلاً، وتحولت فكرة المغادرة من خيار مؤقت إلى ضرورة قسرية. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان السبيل الوحيد للاستمرار.
لبنان… محطة انتقال أولى
كانت لبنان أولى محطات الرحلة. بلد قريب في اللغة والثقافة، ما جعل الصدمة أقل حدّة مقارنة بما سيأتي لاحقًا. أمضى فادي هناك نحو ثلاث سنوات، تابع خلالها عمله في المجال المصرفي، محاولًا الحفاظ على مسار حياته المهنية رغم الشعور الدائم بعدم الاستقرار.
لكن مع مرور الوقت، بدأ المستقبل يزداد غموضًا. لا أفق واضح، ولا مؤشرات على عودة قريبة إلى سوريا. عندها أدرك فادي أن المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تطول، وأن عليه اتخاذ قرار أكثر جرأة.
قوارب الموت… لحظة مواجهة النهاية
عام 2015، قرر فادي التوجّه إلى ألمانيا عبر البحر، في رحلة محفوفة بالمخاطر على متن ما يُعرف بـ"قوارب الموت".
هناك، في عرض البحر، يصبح الإنسان وحيداً أمام أسئلته الوجودية. بين أملٍ بحياة أفضل، وخوفٍ من نهاية قريبة، تتزاحم الذكريات، ويختلط الإيمان بالنجاة مع الإحساس بقرب الفقدان.
كانت تلك اللحظة من أصعب محطات الرحلة، لحظة لا يمكن وصفها بالكلمات، لكنها تركت أثرها العميق في الذاكرة.

ألمانيا… بداية من الصفر
وصل فادي إلى ألمانيا ليبدأ فصلاً جديداً، لكنه كان الأصعب. لغة جديدة، ثقافة مختلفة، مجتمع لا يشبه ما عرفه من قبل. احتاج الأمر وقتاً طويلاً لتعلّم اللغة، والحصول على الإقامة، وبناء شبكة علاقات.
بعد نحو عام، استطاع العودة إلى مجاله المهني، وعمل في شركة ألمانية في اختصاصه بالمحاسبة. ست سنوات قضاها هناك، أعاد خلالها بناء ذاته خطوة خطوة، لكنه بقي يشعر بأن شيئًا ما ينقصه.
أستراليا… لمّ الشمل وبداية الاستقرار
كانت فكرة الهجرة إلى أستراليا قديمة، لكنها تأجلت طويلًا. زوجته، التي كانت آنذاك خطيبته، تقيم مع عائلتها في أستراليا، ومع تفشي جائحة كورونا تأخرت إجراءات لمّ الشمل سنوات إضافية.
عندما وصل أخيراً إلى أستراليا، لم يكن وحيداً هذه المرة. وجود العائلة خفّف وطأة الغربة، وسهّل الاندماج في المجتمع الجديد. كما أن إجادته الأساسية للغة الإنجليزية ساعدته على الانطلاق بسرعة.
من العمل المؤقت إلى المشروع الخاص
كحال كثير من المهاجرين، لم يبدأ فادي من اختصاصه. عمل أولًا في مجال المطاعم، قبل أن يدرك أن هذا المسار يستهلك وقته بالكامل، ويحرمه من الاستقرار العائلي.
مع ولادة طفله الأول "ليو"، اتخذ قراراًَ مفصلياً: تأسيس مشروعه الخاص. هكذا وُلد متجر حمل اسم ابنه، ليكون رمزًا لبداية جديدة، تجمع بين العمل والاستقرار العائلي.
اختيار المشروع لم يكن عشوائياً، بل جاء بعد نقاش طويل مع زوجته، ومعتمداً على وجود جالية عربية داعمة في المنطقة، ما ساعد على نجاح الفكرة واستمرارها.
دروس الهجرة… ورسالة أمل
بعد 14 عاماً من الغربة، يقول فادي إن الدرس الأهم الذي تعلّمه هو الصبر. فالمهاجر يفقد فجأة كل شبكات الدعم التي كان يعتمد عليها، ويجد نفسه مضطراً للاعتماد على إرادته فقط.
الإحباط، برأيه، شعور طبيعي، لكنه لا يجب أن يتحول إلى استسلام. البداية من الصفر ممكنة، مهما بدت الطريق طويلة، شرط التمسك بالأمل وعدم خسارة الإرادة.
ويخص فادي بالشكر زوجته التي كانت سندًا حقيقيًا في كل المراحل، وكذلك والد زوجته الذي قدّم له دعمًا معنويًا وخبرة تجارية ساعدته على الانطلاق.
أستراليا… بلد الفرص الجديدة
تختصر قصة فادي عيد تجربة آلاف المهاجرين الذين أعادتهم الهجرة إلى نقطة الصفر، لكنها منحتهم فرصة إعادة تعريف النجاح.
في بلد مثل أستراليا، حيث تتقاطع الثقافات وتُفتح الأبواب لمن يعمل ويثابر، تتحول القصص القاسية إلى نماذج ملهمة، تؤكد أن الهجرة ليست نهاية الحلم، بل قد تكون بدايته الحقيقية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.



