في عالم كرة القدم، لا تقتصر المتعة على المستطيل الأخضر فقط، بل تمتد أحيانًا إلى الصوت الذي يرافق الحدث. فهناك معلقون يكتفون بسرد الوقائع، وهناك من يحوّل المباراة إلى حالة شعورية كاملة. ومن بين هؤلاء، برز اسم معاذ ماهر كأحد أشهر – وربما أكثر – المعلقين الرياضيين الساخرين تأثيرًا في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة.
من التمريض إلى الميكروفون
معاذ ماهر، شاب مصري يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، خريج تمريض، لكنه اختار أن يسير خلف حلم طفولته: التعليق الرياضي. لم يكن طريقه تقليديًا، ولم يبدأ من استوديوهات التلفزيون، بل من الهاتف المحمول، ومن فيديو عفوي لشباب يلعبون كرة القدم في الشارع عام 2021. تعليق ساخر، تلقائي، غير مخطط له، كان كفيلًا بأن يفتح له باب الشهرة على مصراعيه.
في غضون سبعة أشهر فقط، وصل معاذ إلى أكثر من مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعي، دون معدات احترافية أو إنتاج ضخم، معتمدًا فقط على صوته، وخفة ظله، وقدرته الفريدة على قراءة المشهد الكروي بروح مصرية ساخرة.
أسلوب مختلف… وضحك في عز الهزيمة
ما يميز معاذ ماهر ليس فقط السخرية، بل قدرته على تخفيف ضغط الهزيمة عن الجماهير. فمشاهدون كُثر يعترفون بأنهم يضحكون حتى عندما يتعرض فريقهم للخسارة، وهو أمر نادر في ثقافة كروية مشحونة بالعصبية والانتماء.
عباراته الشهيرة مثل:
اعمل نفسك ميت!»«يا لهوي… أسود ليلة الليلة
تحولت إلى جمل متداولة على مواقع التواصل، تتجاوز حدود المباراة نفسها، وتدخل القاموس الشعبي اليومي.
بين العمالقة… ومكان خاص
لا يخفي معاذ إعجابه بأساطير التعليق العربي مثل فارس عوض، عصام الشوالي، خليل البلوشي وغيرهم، ويؤكد أنهم أساتذته الحقيقيون. لكنه في الوقت ذاته يدرك أن ما يقدمه مختلف تمامًا عن التعليق التلفزيوني التقليدي.
هو لا يرى نفسه بديلًا عنهم، بل حالة مستقلة نشأت في فضاء السوشيال ميديا، حيث الحرية أكبر، والجمهور يبحث عن المتعة بقدر بحثه عن التحليل.
الخط الأحمر في السخرية
رغم جرأة أسلوبه، يضع معاذ خطوطًا حمراء واضحة:
- لا سخرية من إصابات اللاعبين
- لا استهزاء بالجماهير أو الكيانات
- لا مساس بالأندية أو مجالس إدارتها
السخرية عنده موجهة فقط للأشخاص المتغيرين في اللعبة: لاعب أو مدرب، دون المساس بثوابت كرة القدم.
تعليق يتجاوز الكرة
لم يتوقف تأثير معاذ عند المباريات فقط، بل وصل إلى أحداث سياسية عالمية، حين علّق بأسلوب رياضي ساخر على صراعات دولية، ما جعله محل اهتمام حتى من متابعين أجانب لا يفهمون العربية، لكنهم ينجذبون إلى طاقته وحماسه.
هل نرى “نسخة أخرى” من معاذ؟
يرى معاذ أن الرزق في هذا المجال موزع، وأنه لا يخشى المنافسة، مؤمنًا بأن لكل صانع محتوى توقيته ومكانه. لكنه في الوقت ذاته يعترف بأنه قد يظهر من هو أفضل منه يومًا ما، وهي فكرة يتعامل معها بروح راضية وواثقة.
ظاهرة إعلامية جديدة
معاذ ماهر لم يعد مجرد معلق ساخر، بل أصبح ظاهرة إعلامية أعادت تعريف العلاقة بين الجمهور والمباراة. هو مثال على كيف يمكن للإبداع الفردي، والبساطة، والصدق، أن تصنع نجومية خارج الأطر التقليدية.



