للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي
توصف الزغاريد بانها تقليد عابر للحدود، وارث راسخ في الذاكرة تتناقله الأجيال حتى تحوّلت إلى علامة موسيقية وتراث لا مادي يربط النساء في الوطن كما يجمعهن هنا في استراليا .
تسمع الزغرودة في الأعراس والزفّات كما تسمع أحيانًا في الجنازات، صوتٌ واحد، لكن صداه يتعدّد من السودان إلى العراق والخليج، ومن بلاد الشام إلى مصر والمغرب، حيث يصبح إعلانا عن الذات لا تكفي معه الحروف للتعبير عن الهوية.
ورحلتها عبر أصوات الفرح النسائية من بلدان عربية، بأسماء متعددة ، الزغرودة والزلغوطة أو الهلهولة والمهاهاة .. لكن النداء يبقى واحدا.
والزغاريد ليست مجرد حنجرة تتحرك أو لسان يلتفّ، بل صرخة الروح حين يعجز قاموس الكلمات عن التعبير.
تبدو الزغرودة وكأنها تقليد أزلي، تعبير صوتي غامض يحمل سحراً خاصاً قادراً على الإعلان عن خبر ما باختصار شديد، وإن كان يستخدم عادة للدلالة على الابتهاج والفرحة، ولكنه أيضاً يمكن أن يحمل أوجهاً عدة، لا سيما في بدايات نشأته الأولى التي بدورها تتسع تفسيراتها وتتشعب حيث تنسب لأكثر من حضارة.
في النهاية فإن حركة اللسان اللولبية تلك مع اللعب بطريقة إخراج الهواء من الحنجرة واستعمال كف اليد فوق الفم، لإبراز التنويعات والنغمات هي بحد ذاتها لغة مفهومة وموجزة لرسائل لا تعد ، بل هي بحسب الباحثين وسيلة للتواصل والإخبار عن الحال أو الموقف سبقت بكثير ظهور اللغات والألفاظ المحددة.
عربياً يظل طقس الزغاريد أساساً في المناسبات السعيدة، من المحيط إلى الخليج تحرك النساء ألسنتهن ببراعة في الأعراس ويتسابقن في إظهار قدراتهن على إتقان هذا الفعل المرح.
وتلك هي الزغرودة، أو الزغروطة، أو الهلهولة، أو الزلغوطة، أو التوليلة، أو الزغريتة، أو "الغطرفة" كما تُعرف في الخليج العربي. أسماء كثيرة لميلاد واحد: ميلاد الفرح على لسان النساء.

أوضح الباحث والموسيقي يوسف الريماوي لـ"أس بي أس عربي" أن للزغرودة، أو الزلغوطة كما تُعرف في بلاد الشام، خصوصية فنية وثقافية مميزة، ولفت إلى أن "هذا الشكل الصوتي لا يقتصر على الفرح بل يتعدّاه ليصبح جزءًا من البنية الجمالية للموروث الشعبي".
وأشار إلى أن الزغرودة الشامية، وخاصة الفلسطينية والسورية، ترتبط عادة بمناسبات الأعراس، حيث تسبقها ما يُعرف بـ"المهاهات" ، وهي أبيات شعرية قصيرة من الزجل أو الشعر النبطي تُقال بنغمة موسيقية ثابتة.
وبيّن أن "المهاهة" تعتمد على جملة موسيقية بسيطة لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة مفاتيح تبقى ثابتة، بينما يتغير النص بحسب المناسبة، فيُتغنّى بالعروسين وبالأهل والأصدقاء، لتتحول إلى طقسٍ غنائيّ يعبّر عن الفرح الجماعي والاحتفاء بالحياة.
يجذر الباحثون الزغاريد إلى العصور الجاهلية، حين كانت النساء يطلقنها في الحروب والغزوات لرفع المعنويات، وهناك من يعيدها الى حضارات سابقة كما في مصر والعراق حيث النساء كنّ يقمن بالزغاريد الجماعية كغناء للآلهة لطلب الغوث والعون وسقوط المطر.
ويؤصل الباحثون انطلاقتها الحديثة في النوبة السودانية، حيث كانت تُطلق عند الانتصار، ثم عبرت إلى بلاد الشام لتلتحق بالسجع والعتابة والزجل، وأصبحت جزءًا من الشعر الشعبي والغناء الجماعي.
وفي أستراليا، حين تلتقي نساء من العراق ولبنان وسوريا وفلسطين والمغرب والسودان في الأعراس والمناسبات، لا يحتجن إلى مترجم حين تُطلق إحداهنّ زغرودة أو زلغوطة أو هلهولة.
الابتسامات تتسع، التصفيق يبدأ، والفرح يصعد كأنه يُقال: نحن هنا، نحمل تراثنا في الصوت.

وتشير مؤسسة جوقة تراثنا الفنانة فرح رغدان، إلى أن الأعراس العربية في أستراليا تحوّلت إلى ما يشبه التجمع الكبير للثقافات، وقالت إن النساء يتسابقن في إطلاق الزغاريد كتعبير عن الفرح والاعتزاز بالعادات والتقاليد التي تجمعهن رغم اختلاف البيئات.
وأضافت أن الزغاريد صارت إعلانًا صوتيًا عن السعادة، مؤكدة أن هذا التراث يستحق التوثيق السمعي والبصري، وتشجيع الفنانين على دمجه في الموسيقى الحديثة لضمان استمراريته وحمايته من الاندثار.
استذكرت رشا شاهين من سوريا أن ما يُعرف بـ"الهنهنة" في بلاد الشام مبينة أنها تعدّ الشكل الأقرب للزغرودة، إذ تتخللها أبيات شعرية قصيرة تُتلى بنغمة واحدة وتعبّر عن المناسبة.
أما ميلاد آلجي من العراق فلفتت إلى أن هذا التقليد انتقل مع النساء الموصليات إلى أستراليا، وبقي جزءاً من ذاكرتهن وطقوس أفراحهن.
ومن مصر، قالت كاترين قسطندي إن "الزغروطة المصرية لا تقتصر على الأعراس بل تُطلق في النجاح والدراسة والمناسبات السعيدة كافة"، مؤكدة أنها علامة فخر وفرح مشترك في الحياة اليومية.
وأشار الريماوي إلى أن الزغاريد لم تكن دائمًا مرادفًا للفرح، إذ تحوّلت في فلسطين والعراق إلى فعل رمزي في الجنازات، وخصوصا في وداع الشباب غير المتزوجين الذين يُلقَّبون حين موتهم بـ"العريس"، لتصبح الزغرودة هنا فعل مقاومة رمزية تربك الموت وتحتفي بالحياة.
وفي الشام، أوضحت ليال خزام من دمشق أن الزغاريد المعروفة باسم "الوهاد" ترافق مراحل العرس كافة، من تجهيز العروس إلى استقبال العريس، مشيرة إلى أن هذا الطقس يختلف بين القرى والمدن والطوائف، وأحيانًا يُستخدم في لحظات الفقد أيضًا.
ولحمص، شكل للزغاريد يحتفل بخصوصيته ، وعنه تحدثت كلوريا صليبي مبينة انه يمتزج باللغة المحلية
وأوضح الريماوي أن الزغرودة دخلت البناء اللحني العربي، حيث استخدمها ملحنون كبار مثل بليغ حمدي في مقدمة أغنية حاول تفتكرني لعبد الحليم حافظ لإضفاء جو من الفرح الشعبي، كما استُخدمت في أغاني يا حبايب هلهلولة لعفيفة إسكندر، وهلهل وغنّي بيوم الفرح لأحلام وهبي، والليلة الكبيرة لسيد مكاوي.
وأشار إلى أن توظيف الزغرودة في الموسيقى منحها بعدًا فنيا جديدا جعلها جزءا من ذاكرة الطرب العربي.
وخَلصت فرح رغدان إلى القول إن الزغرودة تراث لا ماديّ يستحق الحماية والتوثيق لأنه يحمل ذاكرة النساء العربية ويعكس وحدة وجدانهن عبر الأجيال.
وفي كل الحالات، لا تحتاج الزغرودة إلى ترجمة؛ فهي تنتظر لحظة الفرح لتُطلق دون إذن، وكل من يسمعها عربياً كان أم غير عربي يفهم المعنى: إنها اللغة التي تنطق حين يعجز الكلام.
أكملوا الحوارات على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أكملوا الحوارات على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.



